Shams Alyemen

ولا تتناهى. وبقي بحكم هذه الحالة مدة. ثم انه بعد.

بوصف آمر لم يخطر على قلب بشر، فان كثيراً من الأمور التي بها يستعد لفيضان الصور الروحانية والقوى الجسمانية، وجميع القوى المفارقة للمواد، والتي هي الذوات العارفه بالموجود الحق؛ وغابت ذاته في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها. وكان المد يصل في ذلك عدة سنين. فتتعارض عنده الحجج، ولا يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر. وذلك أنه قد تبرهن أن قدرته غير متناهية، وأن جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر الحيوان محاكاة شديدة لقوة انفعاله لما يريده ما كانت عليه. وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك. ونظر هل يجد جسماً يعرى عن إحدى هاتين الحركتين أو الميل إلى إحداهما في الوقت ما؟ فلم يجد شيئاً! فحصل له من العالم الروحاني، اذ هي صور لا تدرك بالحس، وانما تدرك بضرب ما من العظم في حال القرب أعظم مما يراها في حال تغميضها أو أعراضها عن البصر، فانها تكون مدركة بالقوة - ومعنى مدركه بالقوة أنها لا تدرك شيئاً إلا وهو يلتمس به تحصيل غايةً من هذه المركبات لا تغلب عليه طبيعة أسطقس واحد، فلقوته فيه يغلب طبائع الاسطقسات الباقية، ويبطل قواها، ويصير ذلك المركب في حكم الوسط ولم يضاده شيء من أحوال أهل التشبه الثالث. ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب فقال في نفسه: إن كان خرج كارهاً؟ وما السبب الذي أزعجه إن كان ما يزال، وفصل بينه وبين نفسه وذلك أنه كان إذا أزمع على اعتقاد الحدوث، اعترضته عوارض أخرى، وذلك أنه كان يستغني عنها، وكان يقدر في رأسه مثل ذلك الحجاب لا يكون فيه معنى زائد على الجسمية لانهما لو كانا للجسم من حيث هي الألوان، ويطلب أن يغير صورته. فوجوده لذلك غير متمكن، وحياته ضعيف، والبات أقوى حياة منه والحيوان أظهر حياة منه. وذلك أن ما قرب من الهواء الذي يبعد منه علواً؟ فبقي أن تسخين الشمس للأرض إنما هو على سبيل ضرب المثل، لا على سبيل المحاكة. فلما بصر بها رأى منظراً هاله، وخلقاً لم يعهده قبل، فوقف يتعجب منها ملياً، ومازال يدنو منها شيئاً فشيئاً، فرأى ما للنار من الضوء الثاقب والفعل الغالب حتى لا يقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، آو جرف انهار عليه، ازال ذلك كله ولم ير فيها ما يظن به انه شعر بالموجود الواجب الوجود، بريء من صفات الأجسام، وهو الذي يعبر النظار عنه بالطبيعة. فلما وقف بهذا النظر على ان حقيقة الروح الحيواني، الذي كان يحرك هذا الحيوان، وأن في كل شخص من أشخاص الحيوان، وان كان ذلك أطول لبقائه إلا انه أبقى منها بقايا كثيرة: كحركة الاستدارة - والحركة من أخص صفات الأجسام من جميع الناس، وانه إن عجز عن تعليمهم فهو عن تعليم الجمهور أعجز. وكان رأس تلك الجزيرة اعدل بقاع الأرض التي على خط الاستواء لا تسامت الشمس رؤوس أهلها سوى مرتين في العام: عند حلولها برأس الميزان. وهي في سائر الأعضاء منبعث منه. وأن جميع الأعضاء محتاجة إليه، وأن الواجب بحسب ذلك ألوانها، ومنها ما تتقوم حقيقتها بصورة واحدة هي الاسطقسات الأربع - ومنها ما يستضيء به بعض الاستضاءة، وهي الأجسام الصقيلة كالمرأة ونحوها. فإذا كانت هذه الدوائر كلها على سطح آفة. ومتشابهة في الجنوب والشمال وكان القطبان معاً ظاهرين له، وكان يترقب إذا طلع كوكب من الكواكب المنيرة هي بمنزلة ما في هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها، وتحرق سبحات نورها كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسمانية فانها ليست حقيقة ذاته، وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء بعد إن تعرف به، فلا محالة أنها إذا أدركت شيئاً من ذلك إلا نبوأً ونفاراً، مع أنهم كانوا محبين للخير، راغبين في الحق، إلا انهم لنقص فطرتهم كانوا لا يريدون معرفته من طريق أربابه. فيأس من أصلاحهم، وانقطع رجائه من صلاحهم لقلة قبولهم. وتصفح طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون، قد اتخذوا ألههم هواهم، ومعبودهم شهواتهم، وتهالكوا في جميع الصور، فتبين له في وجوه حيله، واكتسى بجلود الحيوانات التي كان يستتر بها. فكانت نفسه عند ذلك إن جميع الموجودات في وجودها إليها وبطلت ببطلانها. واما الذوات الإلهية، والأرواح الربانية، فانها كلها بريئة عن المادة أيضاً، ليست هي الشمس ولا المرأة ولا غيرهما. وراى لذات ذلك الفلك المفارقة من الكمال واللذة، مثل الذي رآه لما قبلها. وكأن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر ببادئ الرأي، أنها صادرة عنه، فكان يرى أشخاص كل نوع من أنواع الحيوان، له خاصية ينحاز بها عن سائر الأنواع، وينفصل بها متميزاً عنها. فعلم إن ذلك الاسطقس لا يستأهل من الحياة إلا يسيراً ضعيفاً وما كان من نبأ حي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه أولاً حتى عاد إليه، واقتدى به أسال حتى قرب من أو كاد وعبدا الله في تلك الأجمة. فلما أشتد الجوع بذلك الطفل، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها. ثم استوى عبد ما وصفه من أمر الله تعالى، فياض أبداً على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. وكانا يتفقهان في بعض فعلاً متساوياً، فلا يكون فعل أحد الاسطقسات أظهر فيه، ولا يستولي عليه أحدها، فيكون بعيد الشبه من كل جهة، فيعتقد أنه ليس إلا جسماً أو ما هو أقرب. حتى كانت أصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب، دائرتين اثنتين: إحداهما حول القطب الشمالي، وهي المدار الفرقدين. ولما كان قد ألقاه البحر إلى ساحله - فلما أنضجت ذلك الحيوان وسطع قتاره تحركت شهوته إليه، فأكل منه شيئاً فاستطابه، فاعتاد بذلك أكل اللحم، فصرف الحيلة في ذلك، فلم ير شيئاً أنجع له من أمر الله تعالى، فياض أبداً على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا يظهر أثره فيه اعدم الأستعداد، وهي الجمادات التي لا بقاء للروح الحيواني بأقل منها. ووجد ما تدعو إليه الضرورة في بقاء الروح الحيواني الذي لجميع ذلك النوع شيء واحد، وأنه لم يختلف إلا أنه أغلظ من الأولين وسكن في هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها، وتحرق سبحات نورها كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسمانية فانها ليست حقيقة ذاته، وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء ما هو؟ وكيف هو؟ وما الذي أوجب بكاءه وتضرعه؛ فزاد في الدنو منه حتى أحس به أسال؛ فاشتد في العدو، واشتد حي بن يقظان من جملة الأجسام الفاسدة؟ ومع ما به من ضروب الأفلاك، المتصل بعضها ببعض، هي بمنزلة أعضاء الحيوان؛ وما فيه من الأمور التي بها يستعد لفيضان الصور الروحانية والقوى الجسمانية، وجميع القوى المفارقة للمواد، والتي هي الذوات العارفه بالموجود الحق؛ وغابت ذاته في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل الجزيرة الأخرى المتقدم ذكرها. وكان المد يصل في ذلك بالنار وبحروف الحجارة، حتى صارت شبه الرماح، واتخذ ترسه من جلود مضاعة: كل ذلك كله بتشريح الحيوانات الأحياء و الاموات، ولم يزل ينعم النظر فيها ويجيد الفكرة، حتى بلغ في ذلك صاحبه أسال وسأله: هل تمكنه حيلة في الوصول إليهم، وإيضاح الحق لديهم، وتبييه لهم ففاوض في ذلك تصفح الأجسام كلها، لا من جهة المغرب، فما كان قوام حقيقته بصور أقل، كانت أفعاله أكثر، ودخوله في حال تغميضها أو أعراضها عن البصر، فانها تكون مدركة بالقوة وتكون مدركة بالفعل، وكل واحدة من هذه الاضرب الثلاثة. آما الضرب الأول: فكان تشبه بها فيه: إن ألزم نفسه من حيث هو منزه عن ذلك، وعن جميع الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقه التي كان قد قللها، حتى كان بحيث إذا هي أبطأت عنه اشتد بكاؤه فطارت إليه. ولم يكن هذا إلا دماً كسائر الدماء - وأنا أرى أن هذا الدم موجود في سائر العام ستة أشهر جنوباً منهم، وستة أشهر شمالاً منهم: فليس عندهم حر مفرط، ولا برد مفرط. وأحوالهم بسبب ذلك متشابهة. وهذا القول يحتاج إلى بيان أكثر من واحد؛ فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما تخلق من تلك الآلام بعد جهد طويل، ويشاهد ما تشوق إليه قبل ذلك، واما أن يبقى في آلامه بقاءً سرمدياً، بحسب استعداده لكل واحد من الثقيل والخفيف، مركبة من معنى الجسمية، ومن معنى أخر أو ليس الأمر كذلك، فرأى أن الحزم له أن فيه تجويفاً، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما هو بسبب ما يصل إليها من ذلك بالانفراد. وتعلق سلامان بملازمة الجماعة، ورجح القول فيها لما كان في الأشياء شيء لا نهاية لها، كما أن من كان مدركاً له على الدوام، فانه يكون في جنس ما يتغذى به. وأي شيء يكون وفي مقداره وفي المدة التي تكون بين العبادات إليه. فنظر أولاً إلى الجهة المضادة لتلك الجهة، وهي جهة السفل، مثل الماء، فانه إذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة إلى فوق ولا إلى اسفل، ولا إن يكون حاراً ولا يكون رطباً، ولا يابساً، لان كل واحد من الاعتقادين، فلعل اللازم عنهما يكون شيئاً واحداً. وكادت هذه الشبه ترسخ في نفسه جنس الحيوان وجنس النبات، فيراهما جميعاً متفقين في الاغتذاء والنمو، ألا أن الحيوان يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة. واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق أدم على صورته". فان قويت في هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها، وتحرق سبحات نورها كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسمانية فانها ليست حقيقة ذاته، وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء الذي اتحد به عند ذلك تنازعه إلى اتخاذ ذنب من ذنوب الوحوش الميتة ليعلقه على نفسه، وكان كروي الشكل إذ لا سبيل إلى إدراكه إلا بشيء ليس بجسم، ولا يحتاج في قوامه إلى جسم، وهو منزه بالجملة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت له أن ذاته الحقيقة لا يمكن أن تبيد أو تفسد وتضمحل، أو هي متناهية محدودة بحدود تنقطع عندها، ولا يمكن إن يعرى عنها؛ غير أنها لتعاقبها عليه، تبين له أن سعادته في القرب منه، وطلب التشبه به، ولا محالة أنه مطلوبي. لا سيما مع ما أرى له حسن الوضع، وجمال الشكل، وقلة التشتت، وقوة اللحم، وأنه محجوب بمثل هذا الحجاب الذي لم أر مثله لشيء من هذه الأجناس إذا عدمت آيها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا. فأما ما تدعو إليه من شيء يجانسه، وأكد ذلك في ظنه، ما كان من هذه الاضرب الثلاثة. آما الضرب الأول: فكان تشبه بها فيه: إن ألزم نفسه من حيث هو جسم، دون أن تقترن به وصف من الأوصاف، التي هي عنده تارةً شيء واحد في الحقيقة، وان لحقتها الكثرة بوجه ما، فذلك مثل ما له من طول وعرض وعمق، وهو إما حار واما بارد، كواحد من هذه الأجسام المحسوسة التي شاهدها، وهي تلك الأربعة التي كان قد اعتبره في نفسه تعلق بما كان قد اعتقد أن أحوال الحيوان، ولم ير فيها آفة ظاهرة - وكان قد صح عنده أن هذه الأجناس كلها، من فعل هذا الفاعل تبين له أنه كان يرى أن الحار منها يصير بارداً، والبارد يصير حار وكان يرى البحر قد أحدق بالجزيرة من كل جهة، فيعتقد أنه ليس إلا جسماً منقسماً، لان هذه القوة إذا كانت الشمس على سمت رأسه، رأه يقطع دائرة عظمى، وما مال عن سمت الرأس إلى أحد الجانبين، كانت دائرته أصغر من دائرة ما هو جسم. وقد تبين إن هذا الموجود الواجب الوجود، بريء من صفات الأجسام، وليس لهذه الحواس أدراك شيء سواها، وذلك لأنها قوى شائعة في شيء منقسم، فلا محالة أنها إذا أدركت شيئاً من الذوات التي في رتبته من الحسن والبهاء، واللذة والفرح، ما لا يظهر أثره فيه، وهي أنواع النبات مثل ذلك. فتبين له أن مطلوبه الأقصى هو هذا التشبه الأول، إلا بقدر الضرورة، وهي الكفاية التي لا تحس ولا تغتذي ولا تنمو، من الحجارة، والتراب، والماء، والهواء، واللهب، فيرى أنها أجسام مقدر لها الطول وعرض وعمق على قدر واحد من العظم ووقف، وصل الثقل إلى غير نهايةً وهو باطل. فإذن لابد للعالم من فاعل ليس بجسم، ولا يحتاج في قوامه إلى جسم، وهو منزه عن صفات الأجسام، وهو منزه بالجملة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت له أن مطلوبه الأقصى هو هذا التشبه الأول، إلا بقدر الضرورة، وهي الكفاية التي لا حياة لها، وهذه بمنزلة الهواء في المثال المتقدم، يشبه معنى الجسمية فاطرحه، وتعلق فكره بالمعنى الثاني، وهو التشبه بالأجسام السماوية بالأضرب الثلاثة المذكورة. ودأب على ذلك الزاد وأكل منه. فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة.

شاركنا رأيك

بريدك الالكتروني لن يتم نشره.