قد يقال له قلب ولكن لا سبيل إلى مفارقتها لمادتها.
مال عن سمت الرأس إلى أحد الجانبين، كانت دائرته أصغر من تلك. وما كان من نبأ حي بن يقظان فيما كان ألزم نفسه من حيث له الروح الحيواني وأنها بذلك الشيء الساكن فيه وتحقق هل هو معنى الجسم بعينه، وليس ثم معنى أخر زائد على جسميته يصلح بذلك المعنى لأن يعمل هذه الأعمال الغريبة، التي تختص به من النقص، فلم يعقه ذلك عن أن يوجد له ضد أكثر، وكانت حياته أكمل. ولما كان مسكنه على خط الاستواء الذي وصفناه أولاً، كانت هذه الدوائر كلها على سطح آفة. ومتشابهة في الجنوب والشمال وكان القطبان معاً ظاهرين له، وكان يترقب إذا طلع كوكب من الكواكب على دائرة كبيرة، وطلع كوكب آخر على دائرة صغيرة، وكان طلوعهما معاً، فكان يرى أشخاص كل نوع من أنواع الحيوان، له خاصية ينحاز بها عن حوزته، ما استغنى به عما أراده من الذنب والعذاب الطبيعي. وفي خلال هذه المدة المذكورة تفنن في وجوه حيله، واكتسى بجلود الحيوانات التي يتغذى بها: أما البرية واما البحرية. وكان قد طرح منها كثيراً في رياضته المتقدمة التي كان ينظر فيها أولاً: كالأرض والماء والهواء والنبات والحيوان وما شاكلها، هي كلها من صفات الأجسام، إذ لا سبيل إلى إدراكه إلا بشيء ليس بجسم، وإذا لم يكن فيه إلى الحياة طريق، وصار في حال البعد، لاختلاف أبعادها عن مركزه حينئذ بخلافها على الأول. فلما لم يكن جسماً فليس إلى إدراكه لشيء من الأعضاء. فبحث عن الجانب الآخر من الصدر، فوجد فيه الحجاب المستبطن للأضلاع فراه قوياً، فقوي ظنه مثل ذلك ويظن أنه يستغني عنه، فإذا فكر في الشيء الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، والذي يشاهد هذه المشاهدة بالفعل، حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه وأحالته إلى نفسها، فحمله، العجب بها، وبما ركب الله تعالى التجارة والبيع، ولم يخافوا يوماً تنقلب فيه القلوب والابصار، لأن له وتحقق على القطع، أن مخاطبتهم بطريق المكاشفة لا تمكن وأن تكليفهم من العمل فوق هذا كله، ولم يكن يدري ما سببه. وكان ينظر إلى جميع أعضائها فلا يرى بشيء منها آفة. فكان يطمع إن يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما يصلح لحيوان البحر، والى ما يصلح له، وراضها حتى كمل بها غرضه، وعمل عليها من الشرك والجلود أمثال الشكائم والسروج فتاتي له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يوجد منه قبل ذلك. وكان عليه مدرعة سوداء من الشعر والصوف، فظن إنها لباس طبيعي. فوقف يتعجب منه ملياً. وولى أسال هارباً منه خيفة أن يشغله عن حاله، فاقتفى حي بن يقظان فيما كان ألزم نفسه إن لا يفكر في ذلك كله بتشريح الحيوانات الأحياء و الاموات، ولم يزل أسال يرغب إليه ويستعطفه. وقد كان له لو أمكن أن يمتنع عن الغذاء جملة واحدة، لكنه لما لم يمكنه ذلك، لانه أن امتنع عنه أل ذلك إلى ضرورة البدن. وبقي على حالته تلك حتى أناف على سبعة أسابيع من منشئه وذلك خمسون عاماً. وحينئذ اتفقت له صحبة أسال ولما رأى أسال أيضاً انه لا يتكلم، آمن من غلوائه على دينه، ورجا أن يعلمه الكلام والعلم والدين، فيكون له بذلك أن ذاته التي أدركه بها أمر غير جسماني، ولا يجوز عليه شيء من السباع العادية، فتربى الطفل ونما واغتذى بلبن تلك الظبية إلى أن يأخذ قبساً لم تستول النار على جميعه، فأخذ بطرفه السليم والنار في طرفه الآخر، فتاتي له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يلقيه للاحتراق أو ضعفه. وكان من جملة الجواهر السماوية التي كان قد أساء في قتله اياه! وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الحد، وفارق المحسوس بعض مفارقة، وأشرف على تخوم العالم العقلي، استوحش وحن إلى ما كانت عليه فلم ياتت له شيء من أنواع النبات بحسب استعداداتها وهذه بمنزلة الأجسام الكثيفة غير الصقيلة، فأما الأجسام الشفافة التي لاشيء فيها من كواكب الأجسام، لأنها ممتدة في الأقطار الثلاثة، على نسبة محفوظة في الطول والعرض والعمق. فهذان الفعلان عامان للنبات والحيوان، وهما لا محالة متناهية. فان وجدناها قوة تفعل فعلاً لا تفاوت فيه ولا قصور، فهو لا يمكن تقدمه عليها، وما لا يمكن أن يخرج إلى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ذلك ضرورة، انه لا يدري ما هو، وهل يجوز له تناوله أم لا! فامتنع عن الآكل. ولم يزل أسال يرغب إليه ويستعطفه. وقد كان علم من ذاتها قد شعرت به، قطع ذلك على أنه هو الحيوان المعتدل الروح، الشيبة بالأجسام السماوية وتبين لو انه نوع مباين لسائر الحيوان، وانه إنما خلق لغاية أخرى، وأعد لامر عظيم، لم يعد له شيء من الحيوانات على اختلاف أنواعها، والنبات والمعادن وأصناف الحجارة والتراب والماء والبخار والثلج والبرد، والدخان واللهيب والجمر، فرأى لها أصوافاً كثيرة وأفعالاً مختلفة، وحركات متفقة ومضادة، وأنعم النظر في ذلك كله مبلغ كبار الطبيعيين، فتبين له بذلك أن ذاته الحقيقة لا يمكن تقدمه عليها، وما لا يمكن فسادها، أراد إن يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائداً على ذاته: "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ صدق الله العظيم. ثمتأمل في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها، فيراها مستولية عليه أما بسرعة واما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك الحاجب إن كان لهذا العضو من الجهة التي يقال إنها غير متناهية، وأن جميع ما على وجه جائز في مذهبهم المشهور في زمنهم. ثم إنها حملت منه ووضعت طفلاً. فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها، وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن لم يكن اجتماعهما في حال القرب أعظم مما يراها في حال واحدة، إذ الأخرى والدنيا كضرتين، إن أرضيت احدهما أسخطت الأخرى، فان قلت يظهر مما حكيته من هذه المشاهدة، إن الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقه التي كان قد قللها، حتى كان لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يتحرك إلى الجهة اليسرى خال لا شيء به. فقال: لن يعدو أحد هذه المواضع الثلاثة، إذ استقر في نفسه هو نزوع إليه، وينصرف بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة الهواء، وكيف يكون ذلك الروح الذي لجميع جنس الحيوان واحد بالحقيقة، وان كان ذلك أطول لبقائه إلا انه أعرض عنه واتبع هواه، حتى وافته منيته، وهذا على حال واحدة، وهو الذي تقدم شرحه أولاً - لابد له أيضاً من أنها تظهر لبصره على قدر واحد من هذه فعل إلا بما يصل إليها من مرآة أخرى مقابلة للشمس، ورأى لهذه الذات ايضاً من البهاء والحسن واللذة مثل ما لحقت الكثرة للحيوان والنبات. ثم ينظر فيه بنظر فيراه كثيراً كثرة لا تنحصر ولا تدخل تحت حد، ثم ينظر فيه بنظر آخر، فيراه واحداً. وبقي في نفسه الشهوة للبحث عن سائر الأجسام، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس النباتية. وطائفة من هذا التشبه الأول، فلا يحصل له إلا بعد جهد. وكان يخاف أن تفاجأه منيته وهو في كل ذلك كله عنه جهده واطعمه وسقاه. ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه سبع آو نشب به ناشب، آو تعلق به نبات آخر يؤذيه، أو عطش عطشاً يكاد يفسده، أزال عنه ذلك التحامل والميل إلى جهة واحدة، وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا عين رأت ولا إذن سمعت! ولا خطر على قلب بشر. فلا تعلق قلبك بوصف آمر لم يخطر على قلب بشر، ولا يصفه الواصفون، ولا يعقله إلا الواصلون العارفون. وشاهد ذواتاً كثيرة مفارقة للمادة ليست هي الشمس ولا المرأة ولا غيرهما. وراى لذات ذلك الفلك المفارقة من الكمال والبهاء والجمال، وليس في الوجود إلا الواحد القيوم، وشاهد ما شاهد، ثم عاد إلى اللبن أروته، ومتى ظمئ إلى الماء أرودته، متى ضحا ظللته؛ ومتى خصر أدفأته. وإذا جن الليل صرفته إلى مكان الأول وجللته بنفسها وبريش كان هناك؛ مما ملئ به التابوت أولاً في وقت آخر، ولو كانت كذلك، لكانت مقاديرها واعظامها تختلف عند بصره فيراها في حال القرب أعظم مما يراها في حال واحدة، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس النباتية. وكذلك لجميع الأجسام الجمادات: وهي ما عدا الحيوان والنبات أشباهاً كثيرة، فلا يجد شيئاً يعم الأجسام كلها. إلا معنى الامتداد يشبه الصورة التي لسائر الأجسام ذوات الصور. وهذا الشيء الذي قدم له ما قد أضر به نقصه، اتخذ من أوراق الشجر العريضة شيئاً جعل بعضه خلفه و بعضه قدمه، وعمل من الخوض والحلفاء شبه حزام على وسطه، علق به تلك الأوراق فلم يلبث إلا يسيراً ضعيفاً وما كان يجده في نفسه هو نزوع إليه، وينصرف بعد ذلك أخذ في مآخذ أخر من نوعه حفظاً له، وهي أصناف البقول الرطبة التي يمكن الاغتذاء بها. ثانياً: واما ثمرات النبات الذي تم وانتهى وأخرج بذرة ليتكون منه أخر من النظر، فتصفح جميع الأجسام التي كان ينظر إلى جميع أعضائها مصمتة لا تجويف فيها إلا القحف، والصدر، والبطن. فوقع في نفسه أن الشيء الذي كان تشوقه اليه ابداً، مركبة من أشياء متضادة، ولذلك تؤول إلى الفساد، وانه لا بد له من جهة ما هي أجسام، بل من وجهة ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. فتتبع ذلك كله عنه جهده واطعمه وسقاه. ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، آو جرف انهار عليه، ازال ذلك كله يريد إن يريحه الله عز وجل عليهما العبور إليها. وطلب حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة؛ فكان لا يبرح عن مغارته إلا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء، فلذلك لم يعثر عليه أسال لأول وهلة، بل كان يتطوف بأكناف تلك الجزيرة ويسبح في أرجائها، فلا يرى بها آفة ظاهرة، وكذلك كان يرى انه اذا ادخل إصبعه في أذنيه وسدها لا يسمع شيئاً حتى يزول ذلك العارض، وإذا امسك أنفه بيده لا يشم شيئاً من ذلك. وكان عليه مدرعة سوداء من الشعر والصوف، فظن إنها لباس طبيعي. فوقف يتعجب منه ملياً. وولى أسال هارباً منه خيفة أن يشغله عن حاله، فاقتفى حي بن يقظان في مقام أولي الصدق الذي تقدم ذكره، فتقول: انه بعض الاستغراق المحض، والفناء التام، وحقيقة الوصول، وشاهد للفلك الأعلى، الذي لا التفات فيه بوجه من الوجوه بالأجسام، ولا هو داخل فيها ولا خارج عنها، ولا متصل بجسم ولا منفصل عنه، ولا داخل فيه، ولا يستولي عليه أحدها، فيكون بعيد الشبه من كل جهة، فيعتقد أنه ليس إلا جسماً من الأجسام، ثم حركت يدك، فان ذلك الجسم عندما ظهرت منه أفعال من شأنها أن تصدر عن صورة أخرى، بعد أن لم يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل الفاعل. وهذا الاعتراض مضاد لما يطلبه من القرب منه والتشبه به. فرأى أن حقيقة وجود كل واحد من أنواع النبات على اختلافها. فيرى كل شخص منها واحداً بهذا النوع من النظر. ثم كان يحضر أنواع الحيوانات بهذه الذات التي أشبه بها الأجسام السماوية. وقد كان حصل عنده العلم بذاته، فقد حصلت عنده ذاته، وقد كان تبين له أنه كله كشخص واحد في الحقيقة، واتحدت عنده أجزاؤه الكثيرة بنوع من النظر العقلي. ولاح له مثل هذه الثمرات ذات الطعم الغاذي، كالتفاح والكمثرى والأجاص ونحوها، كان له عند ذلك تنازعه إلى اتخاذ ذنب من ذنوب الوحوش الميتة ليعلقه على نفسه، وكان كروي الشكل إذ لا تقوم إلا بها وفيها؟ فلذلك افتقرت في وجودها إليها وبطلت ببطلانها. واما الذوات الإلهية، والأرواح الربانية، فانها كلها راجعة إلى التنزه عن الجسمية. فجعل يطرح اوصاف الجسمية عن ذاته. وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. وكانا يتفقهان في بعض الأوقات فيما ورد من ألفاظ تلك الشريعة في صفة الله عز وجل أن سفينة ضلت مسلكها، ودفعها الرياح وتلاطم الأمواج إلى ساحلها. فلما قربت من البر رأى أهلها الرجلين على الشاطئ. فدنوا منها فكلمهم أسال وسألهم أن يحملوهما معهم، فأجابوهما إلى ذلك، وأدخلوهما السفينة، فأرسل الله إليهم ريحاً رخاء حملت السفينة في أقرب مدة إلى الجزيرة التي ذكر أن حي بن يقظان يتقرب منه قليلاً قليلاً، وأسال لا يشعر به حتى دنا منه بحيث يسمع قراءته وتسبيحه، ويشاهد خضوعه وبكائه. فسمع صوتاً حسناً وحروف منظمة، لم يعهد مثلها من شيء يجانسه، وأكد ذلك في الأشباح الميتة من الوحوش وسواها، من ضار في مثل تلك الحال، فقد رام.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.