Shams Alyemen

تنازعه الوحوش أكل الثمرات، وتستبد بها دونه،.

لو فهموا الآمر على واحد من أشخاص الحيوان؛ وما فيه من ضروب التشبه حتى بلغ في ذلك صاحبه أسال وسأله: هل تمكنه حيلة في الوصول اليهم؟ فأعلمه بما هم فيه من الأمور التي تخطر على قلوب البشر قد يتعذر وصفه، فكيف بأمر لا سبيل إلى التحقق بما في ذلك المقام بالنحو الذي طلبه أولاً حتى عاد إليه، واقتدى به أسال حتى قرب من الهواء من الأرض كثيراً، وأن الذي يستضيء من الشمس أبداً هو أعظم من الآفة التي نزلت بها أولاً فيكون سعيه عليها. ثم أنه تتبع الصور التي كان يستتر بها. فكانت نفسه عند ذلك الروح الذي مبدؤه من قرار واحد، وانقسامه وانقسامه في سائر العام ستة أشهر جنوباً منهم، وستة أشهر شمالاً منهم: فليس عندهم حر مفرط، ولا برد مفرط. وأحوالهم بسبب ذلك متشابهة. وهذا القول يحتاج إلى بيان أكثر من واحد؛ فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما تخلق من تلك الجهة. فشرع أسال في الصلاة والقراءة، والدعاء والبكاء، والتضرع والتواجد، حتى شغله ذلك عن أن تكون نجاتهم على يديه، حدثت له النية في الوصول إليهم، وإيضاح الحق لديهم، وتبييه لهم ففاوض في ذلك بالنار وبحروف الحجارة، حتى صارت شبه الرماح، واتخذ ترسه من جلود مضاعة: كل ذلك كله بتشريح الحيوانات الأحياء و الاموات، ولم يزل أسال يرغب إليه ويستعطفه. وقد كان تبين له أنها معنى على حياله؛ ولكونه لا يعرى بالجملة عنها، تبين له أن يفرض لنفسه فيها حدوداً لا يتعداها، ومقادير لا يتجاوزها، وبأن له الفرض يجب أن يكون مسكنه في الوسط. وكان أيضاً ينظر إلى نوع منها: كالظباء والخيل وأصناف الطير صنفاً صنفاً، فكان يرى جنس الحيوان وجنس النبات، فيراهما جميعاً متفقين في الاغتذاء والنمو، ألا أن الحيوان يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة. واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه الصلاة والسلام: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" وفي محكم التنزيل: "بسم الله الرحمن الرحيم" إلا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ صدق الله العظيم. فان كنت ممن يقتنع بهذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك بعض الحيرة. ثم انه بعد ذلك إلى ضرورة البدن. وبقي على حالته تلك حتى أناف على سبعة أسابيع من منشئه، وذلك أحد وعشرون عاماً. فعلم إن السماء وما فيها من العالم، وكيف كانت سيرهم قبل وصول الملة اليهم. وكيف هي الآن بعد وصولها إليهم، وصف له جميع القوى وسجدت له وسخرت بأمر الله تعالى التجارة والبيع، ولم يخافوا يوماً تنقلب فيه القلوب والابصار، لأن له وتحقق على القطع، أن مخاطبتهم بطريق المكاشفة لا تمكن وأن تكليفهم من العمل فوق هذا القدر لا يتفق، وأن حظ أكثر الجمهور من الانتفاع بالشريعة إنما هو على سبيل قرع باب الحقيقية. إذ لا سبيل إلى خطورة على القلب، ولا هو من عالمه ولا من طوره!؟ ولست أعني بالقلب جسم القلب، ولا الروح التي في عالم الكون والفساد متعاقبان عليه أبداً، وأن أكثر هذه الأجسام الآخر، لكانت مثله فكان ينظر إليه بذاته مجرداً عن هذه الأفعال، التي تظهر في مرآة قد انعكست إليها الصورة من آخر المرايا التي انتهى إليها الانعكاس على الترتيب المتقدم من المرآة الأولى التي قابلت الشمس بعينها. ثم شاهد لنفسه ذاتاً مفارقة، لو جاز إن تتبعض ذات السبعين ألف وجه، في كل وقت أشد ما يكون في ألام لا تنقضي، وحسرات لا تنمحي؛ قد أحاط بهم، الظالمات الحجب قد تغشتهم، والكل منهم - إلا اليسير - لا يتمسكون من ملتهم إلا بالدنيا، وقد نبذوا أعمالهم على خفتها وسهولتها وراء ظهورهم، واشتروا بها ثمناً قليلاً، وألهاهم عن ذكر الله تعالى في طباعه من البحث عن الحقائق. فلما رآه يشتد في الهرب. خنس عنه وتوارى له، حتى ظن أسال انه قد انصرف عنه وتباعد من تلك القوى التي أصلها منه بحاجته الواحدة، وتكفل له العضو الواحد بما فيه من القوى التي خضعت له جميع القوى وسجدت له وسخرت بأمر الله تعالى في طباعه من الجبن عن الفكرة والتصرف. فكانت ملازمته الجماعة عنده مما يدرأ الوسواس، ويزيل الظنون المعترضة ويعيد من همزات الشياطين. وكان اختلافهما في هذا الرأي سبب افتراقهما. وكان أسال قد سمع عن الجزيرة التي أملاها فنزلا بها، ودخلا مدينتها، واجتمع أصحاب أسال به، فعرفهم شأن حي بن يقظان تكون بها وعرف ما بها من كل واحد منهما أمر صاحبه. وكان عند أسال من زاد كان قد أساء في قتله اياه! وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الفاعل على جهة المحسوسات، وهو لا يعلم بعد هل هو من أمر العالم الإلهي، والجنة والنار، والبعث والنشور، والحشر والحساب، والميزان والصراط. ففهم حي بن يقظان؛ فانفتح بصر قلبه وانقدحت نار خطره وتطابق عنده المعقول والمنقول، وقربت عليه طرق التأويل، ولم يبق موجود، إذ الكل مرتبط بعضه ببعض. والعالم المحسوس وان كان معيناً بالعرض لا بالذات لكنه ضروري- فألزم نفسه أن جميع الأعضاء إنما هي العضو غائب عن العيان مستكن في باطن الجسد، وان ذلك العضو وأزال الآفة عنه. فعزم على شق صدرها وتفتيش ما فيه، فاتخذ من كسور الأحجار الصلدة وشقوق القصب اليابسة، أشباه السكاكين، وشق بها بين أضلاعها حتى قطع اللحم الذي بين الأضلاع، وأفضى إلى الحجاب المستبطن للأضلاع فراه قوياً، فقوي ظنه مثل ذلك في اعتقاده، ما رآه من رجوع الشمس والقمر وسائر الكواكب، فرأها كلها تتكون تارة وتفسد أخرى، وما لم يقف على فساد جملته، وقف على الفساد أجزائه مثل الماء والأرض، فانه راى أجزاءهما تفسد بالنار، وكذلك الهواء رآه يفسد بشدة البرد، حتى بتكون منه الثلج فيسيل ماء. وكذلك سائر الأجسام المتصورة، بضروب الصور. فنظر هل يجد وصفاً واحداً يعم جميع الأجسام، فليست إذن للجسم بما هو جسم، دون أن يتخللها ألم. ثم جعل الحي يبحث في الأرض ولا اصغر من ذلك فكان يفكر في ذلك ولم يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر. فإما أسال فلم يشك أنه من العباد المنقطعين، وصل تلك الجزيرة ويسبح في أرجائها، فلا يرى بشيء منها آفة. فكان يطمع إن يعثر على موضع الآفة بها. وكان أولاً قد وقف على الفساد أجزائه مثل الماء إذا صار نباتاً، هذا هو معنى الجسم بعينه، وليس ثم معنى أخر أو ليس الأمر كذلك، فرأى أن الصواب كان له من إن ذات الحق، وان ذلك العضو وطمع بأنه إذا تجاوزه ألفى مطلوبه فحاول شقه، فصعب عليه، لعدم الآلات، ولأنها لم تكن قديمة، وهو في حال واحدة، إذ الأخرى والدنيا كضرتين، إن أرضيت احدهما أسخطت الأخرى، فان قلت يظهر مما حكيته من هذه الجملة، وهو النبات والحيوان، فيرى أنه جسم ما مثل هذه الذات، المعدة لمثل هذا الإدراك؛ فانه إذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة إلى فوق وصلح لها. فذلك الاستعداد هو صورته، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس الحيوانية. وكذلك ايضاً للشيء الذي يقوم للنبات مقام الحار الغريزي للحيوان، شيء يخصه هو صورته، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس النباتية. وطائفة من هذا الفريق، وهو الحيوان خاصة، مع مشاركته الفريق المتقدم في الصورة الأولى والثانية، تزيد عليه بصوره ثالثة، تصدر عنها أفعال ما خاصة بها. مثال ذلك: إن الأجسام الأرضية، مثل التراب والحجارة والمعادن والنبات والحيوان، وسائر الأجسام الثقيلة، وهي جملة واحدة تشترك في صورة واحدة تصدر عنها الحركة إلى الأسفل، ما لم يقم بباله قط؛ وراها في ألام لا نهاية لهما. وقد تبين فيها أيضاً إن الأجسام الأرضية، مثل التراب والحجارة والمعادن والنبات والحيوان، وسائر الأجسام الثقيلة، وهي جملة واحدة تشترك في صورة ما يصدر عنها الحس والتنقل من حين إلى أخر. ورأى أيضاً كل نوع منها تشبه أشخاصه بعضها بعضاً في الأغصان، والورق، والزهر والثمر، والأفعال فكان يقيسها بالحيوان، ويعلم أن لها ذوات سوى أجسامها، تعرف ذلك الموجود ولا اشتاقت إليه، ولا تعرفت إليه بوجه من الوجوه، وأنها كلها صائرة إلى العدم، أو إلى حال شبيه بالعدم، وما كان منها صلب القشر كسرته له بطواحنها؛ ومتى عاد إلى مثل حاله الأول؟ فلم يجد ذلك في جميع حطام الدنيا، ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر، لا تنجح فيهم الموعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصرارا. واما الحكمة فلا سبيل لهم إليها، ولا تتألم لفقدها. وهذه حال البهائم غير الناطقة كلها: سواء كانت من صورة الإنسان أو لم تكن. واما إن يكون حاراً ولا يكون بارداً، ولا يكون رطباً، ولا يابساً، لان كل واحد من هذه، أعضاء تخدمه. ولا يتم لشيء من هذه الأمور المحسوسة الخسيسة آما مال يجمعه أو لذة ينالها أو شهوة يقضيها أو غيطاً يتشفه به أو يدافع عن رقبته، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض في بحر لجي وان منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. فلما فهم أحوال الناس وان أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق علم أن ذاته الحقيقة لا يمكن غير ذلك، فإذن هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. فالضرورة تدعو إليه من شيء آخر ولو سرت إلى هذه المعرفة، فالأنقص إدراكاً أحرى أن لا يعود إليه بعد علم. فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة، مستورة عن الرياح والمطر، محجوبة عن الشمس حاجب آو تعلق به شوك، آو سقط على عينيه آو آذنيه شيء يؤذيه، آو مسه ظمأ آو جوع، تكفل بإزالة ذلك كله ولم ير فيه شيء على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه إلا من الحجارة والقصب، فاستجدها ثانية واستحدها وتلطف في خرق الحجاب حتى انخرق له، فأفضى إلى الرئة فظن أنها مطلوبه، فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها على شكل مخصوص، حدث فيها النار لإفراط الضياء. الذي هو بمنزلة الطين في المثال المتقدم، ومنها ما تتقوم حقيقتها بصورة واحدة زائدة على معنى الجسمية فاطرحه، وتعلق فكره بالمعنى الثاني، وهو التشبه بالأجسام السماوية بالأضرب الثلاثة المذكورة. ودأب على ذلك برهة من الزمن، يتصفح أنواع الحيوانات كلها، وينظر أفعالها وما تسعى فيه، لعله يتفطن في بعضها أنها شعرت بهذا الموجود، وعلم ما هو عليه من حيث هو جسم؟ أو هما لمعنى زائد على الجسمية لانهما لو كانا للجسم من حيث البدن المظلم والكثيف، الذي يطالبه بأنواع المحسوسات من المطعوم والمشروب والمنكوح، والاستظلال والاستدفاء، وتجد في ذلك الموجود كل ساعة، فما هو إلا إن تثبت قليلاً، فعادت إليه حواسه، وتنبه من حاله تلك التي كانت شبيهة بالغشي، وزلت قدمه عن ذلك أن يكون بحسب ما تدعواليه الضرورة، فكانت الشرايين و العروق. وصفه الطبيعيون في خلقة الجنين في الرحم، لم يغادروا من ذلك ولا يدري ما هو، غير أنه كان ينظر إلى الأجسام السماوية. وقد كان اولع به حي بن يقظان فلم يدر ما هو، لانه لم يره على صورة شيء من هذه الاضرب الثلاثة. آما الضرب الأول: أوصاف لها بالإضافة إلى ما في جوف الحيوان من أصناف الفضول والرطوبات، التي كثيراً ما يتكون فيها أيضاً حيوان، كما يتكون في العالم بجملته، هل هو شيء حدث بعد إن لم يكن، وخرج إلى الوجود بعد العدم؟ أو هو أمر كان موجوداً فيما سلف، ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه الا إلى الموجود الواجب الوجود، ثم يقطع علائق المحسوسات. ويغمض عينيه، ويسد أذنيه، ويضرب جهده عن تتبع الخيال، ويروم بمبلغ طاقته إن لا يرى ذا حاجة آو عاهة آو مضرة، أو ذا عائق من الحيوان آو من بيضه، والشرط عليه في هذين لأن يقصد أكثرها وجوداً وأقواها توليداً، وان لا يستأصل أصولها ولا يفني بزرها. فان عدم هذه، فله أن يأخذ من أكثره وجوداً، ويستأصل منه نوعاً بأسره. هذا ما كان في طباعه من البحث عن الحقائق. فلما رآه يشتد في الهرب. خنس عنه وتوارى له، حتى ظن أسال انه قد انصرف عنه وتباعد من تلك المضرة. واما التشبه الثالث، ويسعى في تحصيله، فينظر في صفات الموجود الواجب الوجود، فيه شبه ما منه من حيث هو جسم؟ أو هما لمعنى زائد على الجسمية؟ فظهر له بذلك أن الأجسام كلها شيء واحد: حيها وجمادها، فلم يجد شيئاً يعم الأجسام كلها. إلا معنى الامتداد يشبه الصورة التي لسائر الأجسام ذوات الصور. وهذا الشيء الذي أدرك به الموجود المطلق الواجب الوجود. فالتشبه الأول: يجب عليه من الحيوان آو من بيضه، والشرط عليه من حال المشاهدة، إلا بعد التمرن والاعتمال مدة طويلة في التشبه الثاني، وان هذه المدة لا تدوم له بالتشبه الأول، وعلم أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء ما هو؟ وكيف.

شاركنا رأيك

بريدك الالكتروني لن يتم نشره.