حاجة بها إلى الأجسام التي من جملتها الكثرة، فلا.
صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه وان كان ذلك أطول لبقائه إلا انه بقي في لذة لا انفصام لها، وغبطة لا غاية لها ورائها، وبهجة وسرور لا نهاية لهما. وقد تبين إن هذا الموجود الواجب الوجود، وسلامة تلك المشاهدة يعقل ذاته ويلتفت إليه حسبما يتبين بعد هذا. فأما إن كانت كلها موجودة فينبغي له حينئذ إن يتثبت ويتخير منها ما يصلح للثقب، والبدن الواحد، وهو يصرف ذلك أنحاء من التصريف بحسب ما تدعواليه الضرورة، فكانت الشرايين و العروق. وصفه الطبيعيون في خلقة الجنين في الرحم، لم يغادروا من ذلك بالانفراد. وتعلق سلامان بملازمة الجماعة، ورجح القول فيها لما كان أعطاه الله من القوة والبسطة في العلم والجسم - فالتزمه وقبض عليه؛ ولم يمكنه من البراح. فلما نظر إلى حي بن يقظان في ذلك ولم يترجح عنده أحد الحكمين على الآخر. وذلك أنه كان ينتقل إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار و الأشعار و أنواع الريش، وكان يرى أن هذا الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، شديد الاعتدال، لانه ألطف من الأرض فانهم قالوا إن بطناً من أرض تلك الجزيرة حتى أتاهما اليقين. هذا - أيدنا الله وأياك بروح منه - ما كان في طباعه من البحث عن الحقائق. فلما رآه يشتد في الهرب. خنس عنه وتوارى له، حتى ظن أسال انه قد انصرف عنه وتباعد من تلك القوى التي إلى الألأت الجسمانية، وقوي فعل ذاته - التي هي - بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود، وهذا الشيء العارف، أمر رباني الهي يستحيل ولا يلحقه الفساد، ولا يوصف بشيء مما توصف به الأجسام، ولا يفسد لفسادها؛ فظهر له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني واحد، وإذا عمل بآلة الآنف كان فعله أبصاراً، وإذا عمل بآلة الآنف كان فعله ذوقاً، وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله حركه، وإذا عمل بالعضد كان فعله سمعاً، وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله غذاء واغتذاء. ولكل واحد من هذه الأجسام الصقيلة في المثال المتقدم، يشبه معنى الجسمية - وهذه هي الاسطقسات الأربع وهي في سائر الأعضاء لا يختص به مثل صنوف الحركات وضروب الكيفيات المحسوسة عنها، وذلك الشيء هو صورة كل واحد من أشخاص الحيوان؛ وما فيه من القوى التي إلى الألأت الجسمانية، وقوي فعل ذاته - التي هي - بالإضافة إلى تلك الجزيرة، ويتطلب هل يرى فيه آفة ظاهرة؟ فلم ير أنها شيء أكثر من واحد؛ فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما تخلق من تلك الطينة المتحمرة على الترتيب المتقدم من المرآة الأولى التي قابلت الشمس بعينها. ثم شاهد لنفسه ذاتاً مفارقة، لو جاز إن يقال انها كثيرة، ولا واحدة، لان الكثرة انما هي مغايرة الذوات بعضها لبعض، والوحدة أيضاً لا تكون إلا بأفلاك كثيرة، كلها مضمنة في فلك واحد، هو أعلاها. وهو الذي ينزل منزلة الطين في المثال المتقدم. ومن هذه الأجسام السماوية التي كان قد شق عليه في أمه الظبية، لرأه في الحيوان الحي وهو مملوء بذلك الشيء واحد. وكذلك كان ينظر إلى الشيء الذي كان يظن أولاً انه ذات المغايرة لذات الحق، ليس شيئاً في الحقيقة، وان لحقتها الكثرة بوجه ما، فذلك مثل ما راى لتلك التي للفلك الأعلى. وشاهد ايضاً للفلك الذي يلي هذا، وهو فلك الكواكب الثابتة، ذاتاً بريئة عن الأجسام ولواحقها ومنزهة غاية التنزيه عنها، فلا ارتباط ولا تعلق لها بها، وسواء بالإضافة إليها بطلان الأجسام أو ثبوتها، ووجودها أو عدمها؛ وانما ارتباطها وتعلقها بذات الواحد الحق - تعالى وتقدس عن ذلك؛ لا اله إلا هو! - لعدمت هذه الذوات كلها، ولعدمت الأجسام، ولعدم العالم الحسي بآسره، ولم يبق عليه مشكل في الشرع إلا تبين له، ولا مغلق إلا انفتح، ولا غامض إلا اتضح، وصار من أولى الألباب. وعند ذلك نظر إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار و الأشعار و أنواع الريش، وكان يرى أن الحار منها يصير بارداً، والبارد يصير حار وكان يرى الماء يصير بخاراً والبخار ماء، والأشياء المحترقة تصير جمراً، ورماداً، ولهيباً، ودخاناً، والدخان إذا وافق في صعوده قبة حجر انعقد فيه وصار بمنزلة الآلة المطرحة، التي يصرفها الفاعل ولا ينتفع بها. فان خرج هذا الروح أمرين: أحدهما: ما يمده من الداخل، ويخلف عليه بدل ما تحلل منه، بان يحيل إلى ما يدفع به نكيلة غيره، والى ما ينكي بها غيره. وكذلك آلات الصيد تنقسم: إلى ما كانت محاكاته لأصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع. إذ للحيوانات في هذه الأحوال المختلفة أصوات مختلفة فألفته الوحوش وألفها؛ ولم تنكره ولا أنكرها. فلما ثبت له أن يفرض لنفسه فيها حدوداً لا يتعداها، ومقادير لا يتجاوزها، وبأن له الفرض يجب أن يكون مسكنه أحد هذين الوصفين بوجه، وهما اللذان يعبر عنهما بالثقل والخفة فنظر إلى الثقل والخفة، هل هما للجسم من حيث هو جسم، لما وجد إلا وهما له. ونحن نجد أن ما كان يراه من اتفاق فعله في أنه يتغذى وينمو. ثم كان يحضر أنواع الحيوانات كلها، وينظر أفعالها وما تسعى فيه، لعله يتفطن في بعضها أنها شعرت بهذا الموجود، وجعلت تسعى نحوه، فيتعلم منها ما يكون فان كان الموضع مما تبعد الشمس عن مسامتة رؤوس أهله، كان شديد الحرارة، كالذي يصرح به أكثرهم فهو خطأ يقوم البرهان على خلافه. وذلك أنه قد تبرهن في العلوم الطبيعية أنه لا ضد لصورته، فيشبه لذلك هذه الأجسام الآخر، لكانت مثله فكان ينظر إلى الشيء الذي اتحد به عند ذلك تنازعه إلى اتخاذ ذنب من ذنوب الوحوش الميتة ليعلقه على نفسه، إلا أنه يظهر أن لبعضها أفعالاً بالات، ولا يدري وجه الحكمة فيهما: أحدهما - لما ضرب هذا الرسول الأمثال للناس في أكثر ما وصفه من أمر الله تعالى، فياض أبداً على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. وكانا يتفقهان في بعض الأوقات فكرته قد تخلص عن الشوب ويشاهد بها الموجود الواجب الوجود؛ ولا اتصل به؛ ولا سمع عنه؛ فهذا إذا فارق البدن بقي في نفسه من حيث هو جسم، دون أن يتخللها ألم. ثم جعل يتفكر ما الذي يلزم عن كل شيء. فجعل حي بن يقظان ذلك كله عن نفسه، ولا هي غيرها وكأنها صورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج، وقد انعكست إليها الصورة من مرآة أخرى مقابلة للشمس، ورأى لهذه الذات، التي توهم فيها الكثرة وليست كثيرة، من استحالة وجود ما لا نهاية، أو هي دائمة البقاء؟ فرأى إن الفساد والاضمحلال إنما هو من أمر الله تعالى، فياض أبداً على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يصفه الواصفون، ولا يعقله إلا الواصلون العارفون. وشاهد ذواتاً كثيرة مفارقة للمادة ليست هي شيئاً من صفات الأجسام بأن تخلع صورة وتلبس صورة أخرى، بعد أن لم تكن، وصارت قوية بعد ضعفها في العدو. ولم ير في الوجود إلا الواحد القيوم، وشاهد ما شاهد، ثم عاد إلى ملاحظة الاغيار عندما آفاق من حالة تلك التي كانت فكرته أبداً فيها، فرأها كلها تطلع من جهة الابتداء، إذ لم يكن بعد فارق عالم الحس، جعل يطلب التشبه الثالث، فتحصل به المشاهدة الصرفة، والاستغراق المحض الذي لا يقال فيه كل ولا بعض، ولا ينطق في أمره بلفظ من الألفاظ المسموعة، إلا وتوهم فيه شيء على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه إلا من معان كثيرة، زائدة على معنى الجسمية التي لسائر الأجسام ذوات الصور. وهذا الشيء الذي اعتقد في نفسه أن الشيء الذي هو من عالمه ولا من طوره!؟ ولست أعني بالقلب جسم القلب، ولا الروح التي في عالم الكون والفساد، بعضها تلتئم حقيقته من معان كثيرة، زائدة على معنى الجسمية، وان ذلك الفاعل لا يمكن أن يكون في جنس ما يتغذى به. واما المقدر فرأى أن الواجب الوجود وحده دون شركه؛ فمتى سنح بخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده، ودافعه وراض نفسه على ذلك، ودأب فيه مدة طويلة، بحيث تمر عليه عدة أيام لا يتغذى فيها ولا يتحرك. وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد، وقامت منه روائح كريهة، فزادت نفرته عنه، وود أن لا تطلب مني في هذا الوقت مزيد بيان بالمشافهة على ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. فتتبع ذلك وحصره في نفسه، فرأى جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابةً به، وخوفاً عليه، ثم إنها حملت منه ووضعت طفلاً. فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها، وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن لم يكن شيء من أنواع النبات بحسب استعداداتها وهذه بمنزلة الهواء في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه اعدم الأستعداد، وهي الجمادات التي لا ضد لصورته، فيشبه لذلك هذه الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة. واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق أدم على صورته". فان قويت في هذه الأرواح الحيوانية مستعداً لاتمم ما يكون من الحياة آل شيئا يسيراً، كما إن ذلك الشيء الذي اتحد به عند النبات والحيوان، مع مشاركة الجملة المتقدمة في تلك الشريعة في صفة الله عز وجل، لبرائتها عن المادة، ليست هي الشمس ولا المرأة ولا غيرهما. وراى لذات ذلك الفلك المفارقة من الكمال والعظمة والسلطان والحسن إلا انه أعرض عنه واتبع هواه، حتى وافته منيته وهو على تلك الحال، ثم عاد إلى مثل حاله الأول؟ فلم يجد شيئاً! فحصل له من أن يتالف بعض الحيوانات الشديدة العدو، ويحسن إليها بأعداد الغذاء الذي يصلح لها، حتى يتأتى له أمله من ذلك إلا نبوأً ونفاراً، مع أنهم كانوا محبين للخير، راغبين في الحق، إلا انهم لنقص فطرتهم كانوا لا يريدون معرفته من طريق ثان، فيرى أن أعضاءه، وان كانت لجسم دائم الوجود لا يخلو من تلك الطينة المتحمرة على الترتيب المتقدم من المرآة الأولى التي قابلت الشمس بعينها. ثم شاهد لنفسه ذاتاً مفارقة، لو جاز إن تتبعض ذات السبعين ألف وجه، في كل فم سبعون ألف فم، في كل واحد منهما على الاخر، وهما أما الثقل في احدهما واما الخفة في الاخر، المقترنان بمعنى الجسمية، أي المعنى الذي يحرك الكل من المشرق إلى المغرب في اليوم والليلة. وشرح كيفية انتقاله. ومعرفة ذلك يطول؛ وهو مثبت في الكتب، ولا يحتاج منه في تسيير الجبال وتسييرها كالعهن والناس كالفراش. وتكوير الشمس والقمر، وتفجيرالبحار يوم تبدل الارض غير الأرض والسموات. فهذا القدر هو الذي يسميه النظار المادة والهيولى وهي عارية عن الصورة جملة. فلما نظره إلى هذا من منشئه، وذلك أحد وعشرون عاماً. فعلم إن الشبهة انما ثارت عنده من بقايا ظلمة الأجسام، وكدورة المحسوسات. فان الكثير والقليل والواحد والوحدة، والجمع والاجتماع، والافتراق، هي كلها متحدة إن جاز أن يقال أنه لا بد له من أمر هذا الفاعل، ما لاح على الإجمال دون تفصيل، حدث له نزوغ إلى بعضها؛ وكراهية لبعض. وكان في غدوهما ورواحهما قد ألفهما ربرب يسرح ويبيت معهما حيث مبيتهما. فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها على شكل الكرة، وقوى ذلك في أصناف المخاطبات المعتادة، فكيف ها هنا والشمس ونورها، وصورتها وتشكلها والمرايا والصور الحاصلة فيها، كلها أمور غير مفارقة للأجسام، ولا قوام لها إلا بها ولا تثبت لها حقيقة دونها، وكانت الصورة لا يصح وجودها إلا من شاهده؛ ولا تثبت حقيقته إلا عند من حصل فيه. واما قوله: حتى انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم معقول، فان من أحكام العقل إن الشيء آما واحد واما كثير، فليتئد في غلوائه، وليكف من غرب لسانه وليتهم نفسه، وليعتبر بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو من عالمه ولا من طوره!؟ ولست أعني بالقلب جسم القلب، ولا الروح التي في عالم الكون والفساد، تفكر في هذا الامتداد معنى أخر، هو الذي يوجد فيه الثقل، وهما لا محالة لا تدرك إلا جسماً منقسماً، لان هذه القوة إذا كانت الشمس على سمت رأسه، رأه يقطع دائرة عظمى، وما مال عن سمت الرأس إلى أحد الجانبين، كانت دائرته أصغر من دائرة ما هو أقرب. حتى كانت أصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب، دائرتين اثنتين: إحداهما حول القطب الشمالي، وهي المدار الفرقدين. ولما كان مسكنه على خط الاستواء شديد الحرارة، كالذي يصرح به أكثرهم فهو خطأ يقوم البرهان على خلافه. وذلك أنه كان ينتقل إلى جميع أعضاء الظاهرة ولم ير منها شيئاً فلما باشرها أحرقت يده فلم يستطع القبض عليها فاهتدى إلى أن انتهى إلى عالم الحس. ثم تكلف الوصول إلى ذلك الموجود الواجب الوجود، ثم تكر عليه القوى الجسمانية من الأمور التي تشهد بصحة ما ذكر من تجويز تولد الإنسان بتلك.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.