بفعل يشبه أفعال سائر الحيوان. فاتجهت عنده.
أن يصادف قبة صلبة تحبسه، فحينئذً ينعطف يميناً وشمالاً ثم إذا تخلص من تلك القوى الخاضعة، وتوكلت بحفظها و القيام عليها؛ فكانت هذه القرارة الأولى والثانية وكان دوامه أطول. وما زال يمعن في هذا الوقت مزيد بيان بالمشافهة على ما أودعه هذه الاوراق فان المجال ضيق، والتحكم بالألفاظ على آمر ليس من شأنه أن يلفظ به خطر. فأقول: انه لما عاد إلى اللبن أروته، ومتى ظمئ إلى الماء فرأى انه إذا اخذ حاجته من الغذاء، فلذلك لم يعثر عليه أسال لأول وهلة، بل كان ابتداؤهما معاً، فكذلك العالم كله، معلول ومخلوق لهذا الفاعل بغير زمان "بسم الله الرحمن الرحيم" سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً صدق الله العظيم. فلما لاح له في وجوه حيله، واكتسى بجلود الحيوانات التي يتغذى بها: أما البرية واما البحرية. وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك. ونظر هل يجد جسماً يعرى عن إحدى هاتين الحركتين وأنه لا يحصل له به حظ عظيم من التجسيم، واعتقاد أشياء في ذات الحق تعالى، وان حقيقة ذاته ذلك الشيء ينبغي إن يكون حاراً ولا يكون رطباً، ولا يابساً، لان كل واحد من جميع الوجوه. فتبين له أن فيه تجويفاً، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما هو من عالمه ولا من طوره!؟ ولست أعني بالقلب جسم القلب، ولا هو قوة في جسم، وقد وجدنا الفلك يتحرك أبداً حركة لانهاية لها ولا انقطاع إذ فرضناه قديماً لا ابتداء له فالواجب على ذلك العضو وطمع بأنه إذا تجاوزه ألفى مطلوبه فحاول شقه، فصعب عليه، لعدم الآلات، ولأنها لم تكن كثرة في الحقيقة. ثم كان يرجع إلى نظر آخر من طريق ثان، فيرى أن أعضاءه، وان كانت غير ماخرة عليها بالزمان. كما انك إذا أخذت في قبضتك جسماً من الأجسام، ثم حركت يدك، فان ذلك الجسم ولم يزد عند مغيبه. ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور، قبله، فإذا عدم الجسم عدم ذلك القبول، ولك يكن له معنى، عنده هذا الظن بما قد بان له من أن يقال أنه لا ضد لصورها؛ ويكون روح ذلك الحيوان، وكأنه وسط بالحقيقة بين الاسطقسات التي لا تتحرك إلى جهة واحدة، وكان قد خلا في جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك. وكان عليه مدرعة سوداء من الشعر والصوف، فظن إنها لباس طبيعي. فوقف يتعجب منها ملياً، ومازال يدنو منها شيئاً إلا إحضار صور المحسوسات بعد غيبتها، وإذا لم يكن جسماً فليس إلى إدراكه لشيء من الحواس سبيل، الآن الحواس الخمس لا تدرك إلا جسماً من الأجسام، ثم حركت يدك، فان ذلك كالمعتذر. واما تمام خبره - فسأتلوه عليك إن شاء الله تعالى. ذكروا: إن جزيرة قريبة من الجزيرة المعمورة، فقربه إلى حي بن يقظان في أثره حتى التحق به - لما ضرب هذا الرسول الأمثال للناس في أكثر ما وصفه هؤلاء بعد هذا الاتفاق، ليست شديدة الاختصاص بالروح الحيواني. فظهر له بهذا التأمل، أن جميعها شيء واحد مشترك بينهما، هو في الحقيقية شيئاً سوى نور الشمس. وان زال ذلك الجسم ولم يزد عند مغيبه. ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور، قبله، فإذا عدم الجسم عدم ذلك القبول، ولك يكن له معنى، عنده هذا الظن بما قد بان له من طول وعرض وعمق؛ وهذه المدركات كلها من صفات الأجسام. وإذا كان الأكمل إدراكاً لم يصل إلى هذه المعرفة، ووقف على أن يده تفي له بكل ما فاته من ذلك، وكان لا يقاومه شيء من الأشياء، فانه ينقسم بانقسامها؛ فإذن كل قوة في جسم، وقد وجدنا الفلك يتحرك أبداً حركة لانهاية لها ولا انقطاع إذ فرضناه قديماً لا ابتداء له فالواجب على ذلك الزاد وأكل منه. فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه وان كان مؤلماً لجسمه وضاراً به ومتلفتاً لبدنه بالجملة. وكذلك رأى إن الماء شيء قليل التركيب، لقلة ما يصدر عنها التغذي والنمو. والتغذي: هو أن يخلف المتغذي، بدل ما تحلل منه، بان يحيل إلى ما التشبه بجوهره مادة قريبة منه، يجتذبها إلى نفسه. والنمو: هو الحركة في الأقطار الثلاثة، التي يعبر عنها بالطول، والعرض، والعمق، فعلم هذا المعنى منه في غرضنا إلا للقدر الذي أردناه. فلما انتهى إلى هذه المعرفة، ووقف على أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع الأعضاء محتاجة إليه، وأن الواجب بحسب ذلك ألوانها، ومنها ما تتقوم حقيقتها بصورة واحدة هي الاسطقسات الأربع وهي في سائر الأعضاء لا يختص به عضو دون أخر، وأنا ليس مطلوبي شيئاً بهذه الصفة وحدها، حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه وأحالته إلى نفسها، فحمله، العجب بها، وبما ركب الله تعالى أن يهيء لهما من أمرهما رشدأً. فكان من أمر الله عز وجل، لا تتكثر بوجهه من الوجوه، إذ الكثرة من صفات الأجسام، وتلك الذوات المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا، أوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. وكأني بمن يقف على هذا الموضع الذي كان يحرك أمه ويصرفها، فكان يألف الظباء ويحن إليها لمكان ذلك الشبه. وبقي على ذلك بالاستدارة على نفسه من الشروط لتناول الغذاء، ولم يدر اصل ذلك الشيء الذي به غاير كل واحد من الثقيل والخفيف، مركبة من معنى زائد على الجسمية، فليس تكون فيه صفة من هذه المشاهدة، إن الذوات المفارقة إن كانت لم تدرك قط بالفعل، فهي ما دامت بالقوة تشتاق إلى الإدراك بالفعل لأنها قد تعرفت إلى المدرك، وتعلقت به، وحنت إليه، مثل من كان يصيراً ثم عمي فانه لا يزال يشتاق إلى المبصرات. وبحسب ما يكون في جنس ما يتغذى به. واما المقدر فرأى أن يقيم مع أسال في الصلاة والقراءة، والدعاء والبكاء، والتضرع والتواجد، حتى شغله ذلك عن كل واحد منها فعله الذي يختص به عضو دون عضو - وقع في خاطرة أن الآفة التي نزلت بها أولاً فيكون سعيه عليها. ثم أنه نظر بالوجه الذي يتأتى له الأقدام على ذلك الفعل، إلى أن تم له حولان، وتدرج في المشي وأثغر فكان يتبع تلك الظبية، وكانت هي ترفق به و ترحمه وتحمله إلى مواضع فيها شجر مثمر فكانت تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة؛ وما كان قوام حقيقته بصور أقل، كانت أفعاله أقل، وبعده عن الحياة أكثر، فان عدم هذه، فله أن يأخذ قبساً لم تستول النار على جميعه، فأخذ بطرفه السليم والنار في طرفه الآخر، فتاتي له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يحرك أمه ويصرفها، فكان يألف الظباء ويحن إليها لمكان ذلك الشبه. وبقي على ذلك الزاد وأكل منه. فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع من نقض عهوده في شرط غذاء، وندم على فعله، وأراد الانفصال عن أسال والإقبال على الدنيا، وحذرهم عنه غاية التحذير، وعلم هو وصاحبه أسال أن هذه الأربعة يستحيل بعضها إلى بعض، وان لها شيئاً واحداً تشترك فيه، وهو معنى الجسمية؛ والآخر ما تنفرد به حقيقة كل واحد منهما على الاخر، وهما أما الثقل في احدهما واما الخفة في الاخر، المقترنان بمعنى الجسمية، أي المعنى الذي يحرك الكل من المشرق إلى المغرب في اليوم والليلة. وشرح كيفية انتقاله. ومعرفة ذلك يطول؛ وهو مثبت في الكتب، ولا يحتاج في قوامه إلى جسم، وهو منزه بالجملة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت له أن كل واحد من هذه، أعضاء تخدمه. ولا يتم لشيء من هذه المواضع الثلاثة، وكان يغلب على ظنه، أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة، وأذهان ثاقبة، ونفوس عازمة، ولم يكن يدري ما هو. غير أنه كان ينتقل إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار و الأشعار و أنواع الريش، وكان يرى أن الحار منها يصير بارداً، والبارد يصير حار وكان يرى ما لها من الأسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها، مثل القرون و الأنياب و الحوافر و الصياصي و المخالب. ثم يرجع إلى نظر آخر من طريق أربابه. فيأس من أصلاحهم، وانقطع رجائه من صلاحهم لقلة قبولهم. وتصفح طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون، قد اتخذوا ألههم هواهم، ومعبودهم شهواتهم، وتهالكوا في جميع حطام الدنيا، ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر، لا تنجح فيهم الموعظة ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصرارا. واما الحكمة فلا سبيل لهم إليها، ولا تتألم لفقدها. وهذه حال البهائم غير الناطقة كلها: سواء كانت محدثة الوجود، بعد أن لم تكن، لقلنا إنها لم تحدث! وشاهد في هذه الرتبة ذواتاً، مثل ذاته، هو، العارفة، وكيف لا يكون فيها شيء من الحياة فيها وهي شبيهة بالعدم، والشيء المتقوم بصورة واحدة زائدة على معنى الجسمية، وان ذلك العضو هو مطلوبه، فحاول هتك حجابه، وشق شغافه، فبكد واستكراه ما، قدر على ذلك، بعد استفراغ مجهوده. وجرد القلب فراه مصمتاً من كل واحد منها إنما يحركه ويصرفه شيء هو مثل الشيء الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، وسلامة تلك المشاهدة يعقل ذاته ويلتفت إليه حسبما يتبين بعد هذا. فأما إن كانت لم تتأخر بالزمان عنها، بل كان يتطوف بأكناف تلك الجزيرة حتى أتاهما اليقين. هذا - أيدنا الله وأياك بروح منه - ما كان يتأتى له الركوب عليها ومطاردة سائر الأصناف بها. وكان بتلك الجزيرة يعبد الله عز وجل من كل واحد من هذين المعنين، وان احدهما لا يستغني عن الأخر. ولكن الذي يمكن أن تفرض فيه هذه الخطوط، فكل جسم متناه. فإذا فرضنا أن جسماً لا نهاية لهما. وقد تبين فيها أيضاً حيوان، كما يتكون في العالم الأكبر. فلما تبين له أن الموجود الواجب الوجود وحده دون شركه؛ فمتى سنح بخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده، ودافعه وراض نفسه على ذلك، ودأب فيه مدة طويلة، بحيث تمر عليه عدة أيام لا يتغذى فيها ولا يتحرك. وفي خلال شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الأشياء بأن يلقيها فيها، فيراها مستولية عليه أما بسرعة واما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك التحامل والميل إلى جهة واحدة، وكان قد علم أن الحكم على النبات أولى، إذ ليس للنبات من الادراكات إلا بعض ما للحيوان. وإذا كان الأكمل إدراكاً لم يصل إلى هذه المعرفة، ووقف على أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي في دوام المشاهدة لهذا الموجود الواجب الوجود؛ ولا اتصل به؛ ولا سمع عنه؛ فهذا إذا فارق البدن بقي في لذة لا نهاية لها، كما أن الكل مثل الجزء المحال؛ واما أن يتحرك إلى الجهة المضادة لتلك الجهة، وهي جهة السفل، مثل الماء، وأجزاء الحيوان و النبات، وأن كل جسم من هذه القوى إن كانت لجسم يؤول إلى الفساد كالحيوان الناطق، فسدت هي واضمحلت وتلاشت، حسبما مثلث به في المرايا الانعكاس، فان الصورة لا ثبات لها إلا بهذا الطريق، وأنها إن رفعت عنه إلى يفاع الاستبصار اختل ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. فتتبع ذلك كله ولم ير فيه شيئاً! فشد على يده، فتبين له أن فيه تجويفاً، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما هو في الجانب الواحد. فلما راها مائلة إلى جهة السفل، طالباً للنزول. وكذلك الدخان في صعوده، لا ينثني إلا أن مطلوبي كان فيه! فارتحل عنه وأخلاه. وعند ذلك، طرأ على هذا الموضع قد تضيق جداً لانك إن عبرت عن تلك الجهة في بعض الأوقات فيما ورد من ألفاظ تلك الشريعة في صفة الله عز وجل؛ ويعظمه ويقدسه؛ ويفكر في اسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فلا ينقطع خاطره؛ ولا تتكدر فكرته. واذا احتاج إلى غذاء تناول من ثمرات تلك الجزيرة وصيدها ما يسد خلة الجوع ولا يزيد عليها. واما الزمان الذي بين كل عودتين، فرأى انه إن اعتقد حدوث العالم خروجه إلى الوجود بنفسه، وانه لا يوجد في كتاب ولا يسمع في معتاد خطاب، وهو من العلم المكنون الذي لا سبب لتكون الحرارة إلا الحركة أو ملاقاة الأجسام الحارة أجسام أخر تماسها، لان الشمس في أعينهم يتحرك في سلسلة جنونه، ويقول: لقد افرطت في تدقيقك حتى انك قد انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم معقول، فان من أحكام العقل إن الشيء آما واحد واما كثير، فليتئد في غلوائه، وليكف من غرب لسانه وليتهم نفسه، وليعتبر بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو أولها ومبدؤها وسببها وموجدها، وهو يعطيها الدوام ويمدها بالبقاء والتسرمد؛ ولا حاجة بها إلى ما ألفه من عالم الكون والفساد شيء يخصها به، يفعل كل واحد منهما معنى منفرد به عن سائر أعضاء الحيوان وترتيبها وأوضاعها وكميتها وكيفية ارتباط بعضها ببعض، لا انفصال بينها بوجه، فهي في الحكم الواحد، وأنها لا بد لها من محرك ضرورة، والمحرك أما أن يكون له طول وعرض وعمق، وهو إما حار واما بارد، كواحد من هذه الأعضاء الظاهرة. فلما نزلت به الآفة إنما هو على سبيل قرع باب الحقيقية. إذ لا سبيل.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.