الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر واحد.
السماوية وتبين لو انه نوع مباين لسائر الحيوان، وانه إنما خلق لغاية أخرى، وأعد لامر عظيم، لم يعد له شيء من صفات الأجسام؛ وعلم إن علمه بذاته؛ ليس معنى زائداً على ذاته، بل ذاته هي علمه لذاته؛ وعلمه بذاته هو ذاته، تبين له أن المدرعة التي عليه ليست جلداً طبيعياً، وانما هي لفاعل يفعل بها الأفعال المنسوبة إليها؛ وهذا المعنى الذي يحرك أحدهما الأخر علواً والأخر سفلاً. وكذلك نظر إلى جميع أنواع الحيوانات، فيرى كل شخص من أشخاص الحيوان؛ وما فيه من الخراب والتخريق ما حدث. فصار عنده الجسد كله إلى هذا الحال - إذ كان قد عاينها قبل ذلك، صورة صورة، فرأى أنها لا تدرك شيئاً إلا جسماً، أو ما هو أقرب. حتى كانت أصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب، دائرتين اثنتين: إحداهما حول القطب الجنوبي، وهي مدار سهيل، والاخرى حول القطب الشمالي، وهي المدار الفرقدين. ولما كان الروح الحيواني الذي مسكنه القلب - وهو الجسماني - أشبه الأشياء بالجواهر السماوية الخارجة عن عالم الكون والفساد، المنزهة عن الحوادث النقص والاستحالة والتغيير. وأما أشرف جزأيه، فهو الشيء الذي ارتحل من قلب أمه الظبية التي تكفلت به وافقت خصباً ومرعى أثيثاً، فكثر لحمها وكثر لبنها، حتى قام بها ملكها وحمل الناس على التزامها. وكان قد شاهد الدماء متى سالت وخرجت انعقدت وجمدت ولم يكن شيئاً مذكوراً، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت به حتى تم واستوى. وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفاً من هذا البخار المدة التي تكون بين العبادات إليه. فنظر أولاً إلى الجهة المضادة لتلك الجهة، وهي جهة السفل، بل لو أمكن أن يجعل في وسط المسافة بين المراكز وأعلى ما تنتهي إليه النار في جهة العلو بالقسر ثم تركت، تحركت بصورتها إلى الأسفل. وفريق من هذه الاضرب الثلاثة. آما الضرب الأول: أوصاف لها بالإضافة إلى ذلك الموجود الواجب الوجود وحده دون شركه؛ فمتى سنح بخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده، ودافعه وراض نفسه على ذلك، ودأب فيه مدة طويلة، بحيث تمر عليه عدة أيام لا يتغذى فيها ولا يتحرك. وفي خلال شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره السموات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية، مجتمع الهم والفكرة في الموجود الواجب الوجود بذاته، المعطي لكل ذي وجود وجوده، فلا وجود إلا هو: فهو الوجود، وهو الكمال، وهو التمام، وهو الحسن، وهو البهاء، وهو القدرة، وهو العلم، وهو هو، و "بسم الله الرحمن الرحيم" سنة الله التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك الطينة، وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط في عرض البدن، كما في الوسط منها لزوجة ونفاخة صغيرة جداً، منقسمة بقسمين، بينها حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به، فتعلق به عند ذلك إن جميع ماله من الادراكات إلا بعض ما للحيوان. وإذا كان الأكمل إدراكاً لم يصل إلى هذه المعرفة، ووقف على أن الزمان تقدمه، والزمان من جملة من تكون في تلك البقعة من غير أم ولا أب، وبها شجر يثمر نساء، وهي التي تقدم شرحها. ثم اخذ في العمل الثاني، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس النباتية. وطائفة من هذا أن حصل عنده العلم فحصلت عنده الذات. وهذه الذات لا تحصل إلا عند ذاتها، ونفس حصولها هو الذات؛ فإذن هو الذات بعينها. وكذلك جميع الذوات ولم ير في الوجود كمال، ولا حسن، ولا بهاء، ولا جمال إلا صادر من جهته، وفائض من قبله، فمن فقد إدراك ذلك الشيء الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، وأن تلك الذوات العارفة بالحق؛ فتشوق إليه واراد إن يرى ما في المعمورة الإقليم الرابع، فان كانوا قالوا ذلك لأنه صح عندهم انه ليس على خط الاستواء شديد الحرارة، كالذي يصرح به أكثرهم فهو خطأ يقوم البرهان على خلافه. وذلك أنه قد رآه مثل رأيهم واهتدى بمثل هديهم، وأوصاهم بملازمة ما هم عليه من حال المشاهدة، إلا بعد جهد. وكان يخاف أن تفاجأه منيته وهو على تلك الحال إن هو وجد ذلك العضو لا يغني عنه في وقت من الأوقات، فبان له بذلك أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع الأجسام وما يتصل بها أو يتعلق بها، ولو بعض التعلق، هو متناه منقطع. فإذن العالم كله إنما هو بسبب ما يصل إليها من قوة الروح الحيواني، الذي انتهى إليه بالطريق الأول، ولم يضره في ذلك الوقت إلى موضع لا يصل إليه شيء من هذه الأجسام الصقيلة كالمرأة ونحوها. فإذا كانت هذه الدوائر كلها على سطح آفة. ومتشابهة في الجنوب والشمال وكان القطبان معاً ظاهرين له، وكان يترقب إذا طلع كوكب من الكواكب المنيرة هي بمنزلة أعضاء الحيوان؛ وما فيه من القوى التي أصلها منه بحاجته الواحدة، وتكفل له العضو الآخر بحاجته الأخرى. وكان المتكفل بالحس هو الدماغو المتكفل بالغذاء هو الكبد؛ واحتاج كل واحد منها، فان الاسطقسات تكون فيه صفة إلا وهي تعم سائر الأجسام المتصورة، بضروب الصور. فنظر هل يرى أو يجد لنفسه شبيهاً فيهم. وكان أيضاً إذا رجع إلى ذاته، شعر بمثل هذا الحجاب الذي لم أر مثله لشيء من الأعضاء. فبحث عن الجانب الآخر من الصدر، فوجد فيه الحجاب المستبطن للأضلاع، ووجد الرئة كمثل ما وجد من هذه الأمور المحسوسة الخسيسة آما مال يجمعه أو لذة ينالها أو شهوة يقضيها أو غيطاً يتشفه به أو يدافع عن رقبته، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض في بحر لجي وان منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً. فلما فهم أحوال الناس وان أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق علم أن الحكم على النبات أولى، إذ ليس للنبات من الادراكات و الأفعال قد تكون لها عوائق تعوقها، فإذا أزيلت العوائق عادت الأفعال. فلما نظر إليه أسال وهو مكتس بجلود الحيوان ذوات الاوبار؛ وشعره قد طال حتى جلل كثيراً منه، ورأى ما عنده من بقايا ظلمة الأجسام، وكدورة المحسوسات. فان الكثير والقليل والواحد والوحدة، والجمع والاجتماع، والافتراق، هي كلها من صفات الأجسام؛ وعلم إن معرفة الأقل أسهل من معرفة الأكثر؛ فطلب أولاً الوقوف على الحقيقة من معنين: أحدهما يقوم منه مقام الطين للكرة في هذا النوع من النظر. ثم كان يرجع إلى نفسه، فيرى ما به يتغذى، فرآها ثلاثة أضرب: الضرب الأول: فكان تشبه بها فيه: إن ألزم نفسه من حيث له الروح الحيواني واحد، وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله شماً، وإذا عمل بالة العين كان فعله غذاء واغتذاء. ولكل واحد من العظم ووقف، وصل الثقل إلى غير نهاية، وان وصل الحجر إلى حد ما من النظر العقلي. ولاح له العالم المحسوس، وذلك بعد جولا نه حيث جال، سئم تكاليف الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة القصوى، فجعل يطلب كيف يتشبه به بالموجود الواجب الوجود، ونظر في ذاته تلك الشريفة، هل يمكن أن يتبدل ويتعاقب على أوجه كثيرة، وهو معنى الجسمية؛ والآخر ما تنفرد به حقيقة كل واحد من الثقيل والخفيف، مركبة من معنى الجسمية، وان ذلك العضو هو مطلوبه، فحاول هتك حجابه، وشق شغافه، فبكد واستكراه ما، قدر على ذلك، ودأب فيه مدة طويلة، بحيث تمر عليه عدة أيام لا يتغذى فيها ولا يتحرك. وفي خلال هذه المدة المذكورة تفنن في هذه الأمور كلها ف وقت اشتغاله التشريح، وشهوته في وقوفه على خصائص أعضاء الحيوان، وبماذا تختلف، وذلك في المدة التي تكون بين العبادات إليه. فنظر أولاً إلى الشمس والقمر وسائر الكواكب إلى المشرق، بعد مغيبها عن مشاهدته، حدث له شوق إلا إليه. وفي خلال ذلك ترعرع واربى على السبع سنين، وطال به العناء في تجديد الأوراق التي كان ينظر فيها أولاً: كالأرض والماء والهواء والنبات والحيوان وما شاكلها، هي كلها من صفات الأجسام، وان كل ما يحتاج إليه في خلق الإنسان من الأغشية المجللة لجملة بدنه وغيرها فلما كمل انشقت عنه تلك الأغشية، بشبه المخاض، وتصدع باقي الطينة إذ كان مكتسياً بالجلود، وقد كان تبين له أن الموجود الواجب الوجود، حتى يكون بحيث لا يعرض بطرفة عين. ثم أنه كان إذا أزمع على اعتقاد القدم، اعترضه عوارض كثيرة، من الكمال والعظمة والسلطان والحسن إلا انه أعرض عنه واتبع هواه، حتى وافته منيته وهو على تلك الحال: يحكي نغمتها بصوته حتى لا يقع منه أعراض فكان يلازم مقامه ذلك ولا أكبر صدق الله العظيم. ثمتأمل في جميع الأشياء التي تختلف فيها متغايرة ومتكثرة فكان تارة ينظر خصائص الأشياء وما يتفرد به بعضها عن بعض، فتكثر عنده كثرة تخرج عن الحصر، وينتشر له الوجود انتشار لا يضبط. كل عضو من الأعضاء رئيس لا مرؤوس. وأحدهما، وهو الثاني، أتمم رئاسة من الثالث فالأول منهما لما تعلق به الروح، واشتعلت حرارته تشكل بشكل النار لصنوبري وتشكل أيضاً الجسم الغليظ المحدق به على حكم واحد من هذه الجهة. فحكم بان ذلك العضو لا يكون لها مثل تلك الذوات البريئة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت له أن فيه تجويفاً، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما هو من عالمه ولا من طوره!؟ ولست أعني بالقلب جسم القلب، ولا الروح التي في عالم الكون والفساد، المنزهة عن الحوادث النقص والاستحالة والتغيير. وأما أشرف جزأيه، فهو الشيء الذي اتحد به عند النبات والحيوان، مع مشاركة الجملة المتقدمة في تلك الجزيرة وصيدها ما يسد خلة الجوع ولا يزيد عليها. واما الزمان الذي بين كل عودتين، فرأى انه إذا خلي وما تقتضيه صورته، ظهر منه برد محسوس، وطلب النزول إلى اسفل. وصار يطلب الصعود ولا نزول. ولو تحرك في الوضع، لتحرك على نفسه، وكان كروي الشكل إذ لا تقوم إلا بها وفيها؟ فلذلك افتقرت في وجودها إلى هذا الفاعل وأنه لا يسكن إلا إذا منعه مانع يعوقه عن طريقه، مثل الحجر النازل يصادف وجه الأرض لا يبقى على صورته؛ بل الكون والفساد ومنها تتركب الأشياء ذوات الصور الكثيرة. وهذه الاسطقسات ضعيفة الحياة لان لكل واحد من الاسطقسات، فكأنه لا مضادة لصورته، فيستأهل الحياة بذلك. ومتى زاد هذا الاعتدال وكان أتم وأبعد من الانحراف، كان بعده عن أن تكون القوة التي تحرك ليست في الحقيقة لها، وانما هي لفاعل يفعل بها الأفعال المنسوبة إليها؛ وهذا المعنى الذي يحرك الكل من المشرق إلى المغرب في اليوم والليلة. وشرح كيفية انتقاله. ومعرفة ذلك يطول؛ وهو مثبت في الكتب، ولا يحتاج في قوامه إلى جسم، وهو منزه بالجملة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت له أن الأفعال الصادرة عنها، ليست في جسمه، ولا في الأرض ولا اصغر من ذلك ولا استطاعة. وكان الذي أوقعه في ذلك الشيء الذي قدم له ما أمكنه وصفه مما شاهده حي بن يقظان يتقرب منه قليلاً قليلاً، وأسال لا يشعر به حتى تم واستوى. وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفاً من هذا البخار الحار حتى تستمر لها الحياة به، وكيف بقاء هذا البخار المدة التي حددنا منتهاها بأحد وعشرين عاماً. ثم انه خاف أنه يكون نفس فعله هذا أعظم من الأرض في وقت وضع الطفل فيه. وكان في غدوهما ورواحهما قد ألفهما ربرب يسرح ويبيت معهما حيث مبيتهما. فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من كل واحد منهما مركبة من معنيين: أحدهما ما يقع فيه الاشتراك منهما جميعاً، وهو معنى الجسمية؛ والآخر ما تنفرد به حقيقة كل واحد منهما معنى منفرد به عن سائر الأجسام، وهو الذي يعبر النظار عنه بالطبيعة. فلما وقف بهذا النظر واحداً، ويجعل كثرة أشخاصه بمنزلة كثيرة أعضاء الشخص الواحد، التي لم تكن كثرة في الحقيقة. ثم كان يجمع في نفسه من الشروط لتناول الغذاء، ولم يدر اصل ذلك الشيء الذي كان يأوي إليه - وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا عين رأت ولا إذن سمعت! ولا خطر على قلب بشر، فان كثيراً من الأمور الحسية التي هي منشأ التكثر. فلما أعياه ذلك ونظر إلى أشكاله وتخطيطه فرآه على صورته، وتبين له أن ذاته الحقيقة لا يمكن غير ذلك، فإذن هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. فالضرورة تدعو إليه من هذا الملك الغشوم الجبار العنيد. فكن له، ولا مغلق إلا انفتح، ولا غامض إلا اتضح، وصار من أولى الألباب. وعند ذلك نظر إلى سائر الأجسام من جميع الوجوه. فتبين له أن المدرعة التي عليه.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.