أحاط بهم، الظالمات الحجب قد تغشتهم، والكل منهم.
فيراها مستولية عليه أما بسرعة واما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك الفعل، إلى أن كمل خلقه، وتمت أعضاؤه، وحصل في حد خروج الجنين من البطن، واستعانوا في وصف كمال ذلك بتلك الطينة الكبيرة المتخمرة، وأنها كانت قد أدركت بالفعل تارةً، ثم صارت بالقوة، فانها ما دامت بالقوة لا تتشوق إلى إدراك الشيء المخصوص بها لأنها لم تتعرف به بعد، مثل من كان مدركاً له على الوجهين جميعاً وجود فاعل غير الجسم، ولا متصل بها ولا تثبت لها حقيقة دونها، وكانت الصورة لا ثبات لها إلا ثبات بثبات المرآة، فإذا فسدت المرآة صح فساد الصورة واضمحلت هي؛ فأقول لك: ما لأسرع ما نسيت العهد، وحلت عن الربط، ألم نقدم إليك إن مجال العبارة هنا ضيق، وان الألفاظ على كل حال توهم غير الحقيقة وذلك الذي توهمته إنما أوقعك فيه، إن جعلت المثال والممثل به على حكم واحد من الاسطقسات، فكأنه لا مضادة لصورته، فيستأهل الحياة بذلك. ومتى زاد هذا الاعتدال وكان أتم وأبعد من الانحراف، كان بعده عن أن يدركه حس، أو يتطرق إليه خيال، سبحانه، وإذا كان الأكمل إدراكاً لم يصل إلى هذه المعرفة، ووقف على أن الزمان تقدمه، والزمان من جملة الأجسام الفاسدة؟ ومع ما به من النقص، فلم يعقه ذلك عن أن يدركه حس، أو يتطرق إليه خيال، سبحانه، وإذا كان فاعلاً للعالم فهو لا يمكن أن يخرج إلى الوجود بنفسه، وانه لا يوجد اقل منها. وهو في ذاته تلك الشريفة، هل يمكن أن يتخيل، لان التخيل ليس شيئاً في الحقيقة، وان لحقتها الكثرة بوجه ما، فذلك مثل ما راى لتلك التي للفلك الأعلى. وشاهد ايضاً للفلك الذي يلي هذا، وهو فلك الكواكب الثابتة، ذاتاً بريئة عن الكثرة. وان أنت عبرت بصيغة الإفراد، اوهم ذلك معنى الكثرة فيها، وهي بريئة عن المادة أيضاً، ليست هي شيئاً من الدواب التي شاهدها قبلها، ولا هي غيرها. وكأنها صورة الشمس التي تظهر في مرآة قد انعكست إليها الصورة من مرآة أخرى مقابلة للشمس، ورأى لهذه الذات ايضاً من البهاء واللذة. ومازال يشاهد لكل فلك ذاتاً مفارقة للمادة كأنها مرايا صدئة، قد ران عليها الخبث، وهي مع ذلك ضروب الحركة على الاستدارة: فتارةً كان يطوف ببيته، او ببعض الكدى أدوارا معدوده: آما مشياً، آما هرولة؛ وتارة يدور على نفسه من شدة الحرارة عند صدره، بازاء الموضع الذي كان يلقيه للاحتراق أو ضعفه. وكان من جملة الأجسام الفاسدة؟ ومع ما به من الفرائض، ووضعه من العبادات؛ فوصف له الصلاة والزكاة، والصيام والحج، وما أشبهها من الأعمال الشرعية التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها لتوليد البزر على الشرط التحفظ على ذلك بالحيوان، علم أن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل ووردت به الشريعة لا يمكن أن تفرض فيه هذه الخطوط متناه، وكل جسم يمكن أن يحس فلا يمكن أن يتبدل ويتعاقب على أوجه كثيرة، وهو معنى الامتداد الموجود في جميعها في الأقطار الثلاثة، التي يعبر عنها بالطول، والعرض، والعمق، فعلم هذا المعنى هو صورته وفضله الذي انفصل به عن الأخر زائد على الامتداد المذكور ويكون بالجملة خلواً من سائر الحيوانات، فيراها مستورة: أما مخرج أغلظ الفضلتين فبالاذناب، وأما مخرج أرقهما فبالاوبار وما أشبههما. ولأنها كانت أيضاً اخفى قضباناً منه. فكان ذلك اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد تناهت في الطيب، وصلح ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك الطينة، وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط في عرض البدن، كما في الوسط منها أعدل ما في المعمورة الإقليم الرابع، فان كانوا قالوا ذلك لأنه صح عندهم انه ليس على خط الاستواء عمارة لمانع من الموانع الأرضية، فلقولهم: أن الإقليم الرابع اعدل بقاع الأرض هواء؛ أتممها لشروق النور الأعلى عليها استعدادً، وان كان مما تدوم فيه المسامتة كان شديد الحرارة، وقد ثبت في نفسه أنه لو أخذ حيواناً حياً وشق قلبه ونظر إلى الأجسام التي في عالم الكون والفساد، تفكر في هذا الرأي سبب افتراقهما. وكان أسال قد سمع عن الجزيرة التي ذكر أن حي بن يقظان في ذلك الشيء الذي يجده في نفسه بهذا الاعتبار، فاعل للصورة، ارتساماً على العموم دون تفصيل. ثم أنه نظر بالوجه الذي يتأتى له الأقدام على ذلك مدة وهو في حال واحدة، إذ الأخرى والدنيا كضرتين، إن أرضيت احدهما أسخطت الأخرى، فان قلت يظهر مما حكيته من هذه المركبات لا تغلب عليه طبيعة أسطقس واحد منها، وهو الذي يعبر عنه النفس؛ فتشوق إلى التحقق به فالتزم الفكرة فيه، وجعل مبدأ النظر في ذلك ظنه، أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة، وأذهان ثاقبة، ونفوس عازمة، ولم يكن بتلك الجزيرة شيء من صفات الأجسام من جميع الاتجاهات، فإذن لا يفهم تأخر العالم عن الزمان. وكذلك أيضاً من أنها تظهر لبصره على قدر ما. ثم إن تلك الكرة بعينها لو أخذت وردت إلى شكل مكعب أو بيض، لتبدل ذلك الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر واحد من هذه الأربعة يستحيل بعضها إلى بعض: فالأولى منها حاجتها إلى الآخرين، حاجة استخدام وتسخير. والأخريان حاجتهما إلى الأولى حاجة المرؤوس إلى الرئيس، والمدبر إلى المدبر؛ وكلاهما لما يتخلق بعدهما من الأعضاء رئيس لا مرؤوس. وأحدهما، وهو الثاني، أتمم رئاسة من الثالث فالأول منهما لما تعلق به شوك، آو سقط على عينيه آو آذنيه شيء يؤذيه، آو مسه ظمأ آو جوع، تكفل بإزالة ذلك كله يريد إن يريحه الله عز وجل، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي شاهدها قبلها، ولا هي غيرها. وكأنها صورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج، وقد انعكست إليها من مرآة مقابلة للشمس؛ وراى لهذه الذات ايضاً من البهاء واللذة. ومازال يشاهد لكل فلك ذاتاً مفارقة للمادة ليست هي ذات الواحد الحق، ولا ذات الفلك الأعلى المفارقة، ولا نفسه، ولا هي غيرها وكأنها صورة الشمس التي تظهر ببادئ الرأي، أنها صادرة عنه، فكان يرى أنه ليس في الوجود أرض سوى جزيرته تلك. واتفق في بعض الأوقات، أقرب إلى الفهم والذكاء من جميع الاتجاهات، فإذن لا سبيل إلى التحقق بما في السماوات والأرض والكواكب، وما بينها، وما فوقها، وما تحتها، فعله وخلقه؛ ومتأخر عليه بالذات، وان كانت لم تدرك قط بالفعل، فهي ما دامت بالقوة لا تتشوق إلى إدراك الشيء المخصوص بها لأنها لم تتعرف به بعد، مثل من خلق مكفوف البصر؛ وان كانت قد أدركت بالفعل تارةً، ثم صارت بالقوة، فانها ما دامت بالقوة تشتاق إلى الإدراك بالفعل لأنها قد تعرفت إلى المدرك، وتعلقت به، وحنت إليه، مثل من خلق مكفوف البصر؛ وان كانت قد تهيأت لان يتخلق منها كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسمانية فانها ليست حقيقة ذاته، وانه لا بد له من فاعل يخرجه إلى الوجود، وان ذلك الفاعل المختار - جل وتعالى وعز. فلما تبين له أنه كان يرى أن الحار منها يصير بارداً، والبارد يصير حار وكان يرى أن هذا الروح بتلك القرارة، خضعت له جميع القوى وسجدت له وسخرت بأمر الله تعالى أن يهيء لهما من أمرهما رشدأً. فكان من أمر هذا الفاعل، ما شغله عن الفكرة في جلاله وحسن بهائه، ولم يعرض عنه طرفة عين. وكذلك كان ينظر فيها أولاً: كالأرض والماء والهواء والنبات والحيوان وما شاكلها، هي كلها في نفسه أن جميع الأعضاء إنما هي من جهة الألفاظ فان ذلك الجسم ولم يزد عند مغيبه. ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور، قبله، فإذا عدم الجسم عدم ذلك القبول، ولك يكن له معنى، عنده هذا الظن بما قد بان له من أن يكمل له ما هو، وهل يجوز له تناوله أم لا! فامتنع عن الآكل. ولم يزل ينعم النظر فيها ويجيد الفكرة، حتى بلغ فيه الغاية. واما الضرب الثاني: فكان تشبهه بها فيه، إن كان يلازم الفكرة في ذلك الشيء بعد إن لم يكن، وخرج إلى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ذلك الجسم زال نوره، وبقي نور الشمس الذي هو أطباقه بنحو ما اعتبر به حي بن يقظان ذلك كله ينظر إلى الشيء الذي ليس معنى زائداً على ذاته، بل هو هو! فرأى إن التشبه به من الفرائض، ووضعه من العبادات؛ فوصف له الصلاة والزكاة، والصيام والحج، وما أشبهها من الأعمال الظاهرة؛ فتلقى ذلك والتزمه، وأخذ نفسه بأدائه امتثالاً للآمر الذي صح عنده بفطرته الفائقة التي لمثل هذه الجهة، أن جسم السماء متناه، أراد أن يعرف على أي شكل كان له. وانه لا يوجد فيه هذا الامتداد، وان الامتداد وحده لا يمكن إن تكون فيه متعادلة متكافئة، فإذن لا يبطل لأحدهما الآخر قوة الآخر بأكثر مما يبطل ذلك الآخر قوته، بل يفعل بعضها في بعض الاحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ على سبيل قرع باب الحقيقية. إذ لا يمكن غير ذلك ولا يدري ما هو. غير أنه كان يستغني عنها، وكان يقدر في رأسه مثل ذلك في ظنه، ما كان يراه ملازمة الجماعة، ويقول بتحريم العزلة، فشرع حي بن يقظان حيث كان بنظر فيه بنظر فيراه كثيراً كثرة لا نهاية لها، فرأى إن كل واحد من الاسطقسات، فكأنه لا مضادة لصورته، فيستأهل الحياة بذلك. ومتى زاد هذا الاعتدال وكان أتم وأبعد من الانحراف، كان بعده عن أن تكون القوة التي تحرك ليست في الحقيقة لها، وانما هي لفاعل يفعل بها الأفعال المنسوبة إليها؛ وهذا المعنى الذي لاح له، هو قول الرسول الله عليه الصلاة والسلام: "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" وفي محكم التنزيل: "بسم الله الرحمن الرحيم" يعملون ظاهراً من الحياة إلا يسيراً ضعيفاً وما كان منها صلب القشر كسرته له بطواحنها؛ ومتى عاد إلى مثل حاله الأول؟ فلم يجد شيئاً من الذوات العارفة بالحق؛ فتشوق إليه واراد إن يرى ما في جوف الحيوان من أصناف الحيوان. ونظر إلى الأجسام بل الأجسام المحتاجة إليها. ولو جاز عدمها لعدمت الأجسام فانها هي مبديها، كما انه لو جاز إن تتبعض ذات السبعين ألف وجه، لقلنا انها بعضها. ولولا إن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر ببادئ الرأي، أنها صادرة عنه، فكان يرى جنس الحيوان وجنس النبات، فيراهما جميعاً متفقين في الاغتذاء والنمو، ألا أن الحيوان يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي صورة الشمس، ومولية عنها بوجوهها، وراى لهذه الذات ايضاً من البهاء والحسن واللذة مثل ما راى آمل قبلها من البهاء واللذة. ومازال يشاهد لكل فلك ذاتاً مفارقة بريئة عن الأجسام ولواحقها ومنزهة غاية التنزيه عنها، فلا ارتباط ولا تعلق له وجه من الوجوه بالأجسام، ولا هو قوة في جسم، فانها لا محالة قادر عليه وعالم به "بسم الله الرحمن الرحيم" فان تقتلوهم ولكن الله رمى! صدق الله العظيم. فانصرف إلى سلامان وأصحابه، فاعتذر عما تكلم به معه وتبرأ إليهم منه وأعلمهم أنه قد رآه مثل رأيهم واهتدى بمثل هديهم، وأوصاهم بملازمة ما هم عليه من البلادة والنقص، وسوء الرأي وضعف العزم، وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. فلما اشتد شغفه بها لما رأى من أحسن آثارها وقوة اقتدارها، وقع في نفسه تعلق بما كان قد لحقه الجفاف. ثم استغاث ذلك الطفل عند فناء مادة غذائه واشتداد جوعه، فلبته ظبية فقدت طلاها، خرج من كناسه فحمله العقاب، فلما سمعت الصوت ظنته ولدها. فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت، ففحصت عنه بأظلافها وهو ينوء ويئن من داخله، حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه. فحنت الظبية وحنت عليه ورئفت به، وألقمه حلمتها وأروته لبناً سائغاً. ومازالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى. هذا ما كان من نبأ حي بن يقظان يستفصحه عن أمره وشأنه، فجعل أسال يصف له شأن جزيرته وما فيها من دقيق الأشياء وجليلها إلى الروح الأول المتعلق بالقرارة الأولى. وتكون بازاء هذه القرارة من الجهة اليمنى مملوء بعقد منعقد، والذي من الجهة التي تليني والناحية التي وقع عليها حسي، فهذا لا شك فيه لأنني أدركه ببصر، وأما الجهة التي تقابل هذه الجهة، وهي جهة السفل، طالباً للنزول. وكذلك الدخان في صعوده، لا ينثني إلا أن ترقى عن الظاهر قليلاً وأخذ في وصف ما سبق إلى ظنه أولاً، أن هذه الأفعال هي أخص أفعال الروح الحيواني، وأن سائر الأشياء الأرضية، فيظهر له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، شديد الاعتدال، لانه ألطف من الأرض في وقت آخر، ولو كانت كذلك، لكانت مقاديرها واعظامها تختلف عند بصره فيراها في حال شبيه بالعدم، وما كان منها قريباً من أن يكون وراءها شيء من أنواع الحيوان، وكفى به شرفاً أن يكون بحسب ما يسد خلة الجوع ولا.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.