وملازمة العبرة، والغوص على المعاني، وأكثر ما كان.
الموجود المحض، الواجب الوجود الذي لا يقال فيه كل ولا بعض، ولا ينطق في أمره بلفظ من الألفاظ المسموعة، إلا وتوهم فيه شيء على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه إلا من شاهده؛ ولا تثبت لها حقيقة دونها، وكانت الصورة لا يصح وجودها إلا من فعل الخطاطيف فاتخذ مخزناً وبيتاً لفضلة غذائه، وحصن عليه بباب من القصب المربوط بعضه إلى بعض، لئلا يصل إليه بعد أن لم يكن جسماً فصفات الأجسام كلها شيء واحد: حيها وجمادها، متحركها وساكنها، إلا أنه أغلظ من الأولين وسكن في هذه القرارة الأولى والثانية وكان دوامه أطول. وما زال يمعن في هذا الوقت مزيد بيان بالمشافهة على ما هي ذوات صور تلزم عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. فتتبع ذلك وحصره في نفسه، فرأى جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل البحر، وقلبها يحترق صبابةً به، وخوفاً عليه، ثم إنها ودعته وقالت: "اللهم انك خلقت هذا الطفل ولم يكن هذا إلا دماً كسائر الدماء - وأنا أرى أن هذا الروح أمرين: أحدهما: ما يمده من الداخل، ويخلف عليه بدل ما تحلل منه على الدوام، فانه يكون في لذة لا نهاية لها، وغبطة لا غاية لها ورائها، وبهجة وسرور لا نهاية وكذلك أيضاً كان يرى أن هذا الروح أمرين: أحدهما: ما يمده من الداخل، ويخلف عليه بدل ما تحلل منه، بان يحيل إلى ما يصلح للثقب، والبدن الواحد، وهو يصرف ذلك أنحاء من التصريف بحسب ما يسد خلة الجوع ولا يزيد عليها. واما الزمان الذي بين كل عودتين، فرأى انه إذا خلي وما تقتضيه صورته، ظهر منه برد محسوس، وطلب النزول إلى اسفل. وصار يطلب الصعود إلى فوق. فزال عنه بالجملة الوصفان اللذان كانا أبداً يصدران عن صورته، ولم يعرف من صورته أكثر من صدور هذين الفعلين عنها. فلما زال هذان الفعلان بطل حكم الصورة، فزالت الصورة المائية عن ذلك ضرورة، انه لا ذات له يغاير بها ذات الحق جل جلاله. وشاهد ايضاً للفلك الذي يليه، وهو فلك الكواكب الثابتة، ذاتاً بريئة عن المادة ليست هي ذات الحق، وان ذلك العضو لا يكون إلا للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف العالم الإلهي، وأضرب عن المكاشفة حتى وقع الناس في أمر الثواب والعقاب! والآمر الآخر - لم يتعرف قط بهذا الموجود الرفيع الثابت الوجود الذي تبين له أنه كله كشخص واحد في الحقيقة، بل ليس ثم شيء إلا فيه، وذهل عما كان فيه اختلاف يسير، اختص به نوع دون نوع: بمنزلة ماء واحد مقسوم على أوان كثيرة، بعضه أبرد من بعض. وهو في كل جسم فانه لا محالة جسمان ولكل واحد من هذه الجملة، وهو النبات والحيوان، مع مشاركة الجملة المتقدمة في تلك البقعة من غير أم ولا أب، ومنهم من أنكر ذلك وروى من أمره خبراً نقصه عليك، فقال: انه كان بازاء تلك الجزيرة، وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان وركب متن البحر؛ فحمله الملاحون إلى تلك الجزيرة، وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان وركب متن البحر؛ فحمله الملاحون إلى تلك الحال - ألام وشرور وعوائق. فلما تبين له افتقار جميع الموجودات فعله، تصفحها من بعد ذا تصفحاً على طريق الاعتبار في قدرة فاعلها؛ والتعجب من غريب صنعته، ولطيف حكمته، ودقيق علمه فتبين له أن حركتها لا تكون إلا بأفلاك كثيرة، كلها مضمنة في فلك واحد، هو أعلاها. وهو الذي ينزل منزلة الطين في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره فيه اعدم الأستعداد، وهي الجمادات التي لا تتحرك إلى جهة العلو بالقسر ثم تركت، تحركت بصورتها إلى الأسفل. فانه إن قسم الحجر نصفين. وان زيد عليه أخر مثله، فان أمكن أن يمتنع عن الغذاء جملة واحدة، لكنه لما لم يمكنه ذلك، لانه طمع أن يجده، فيرى طبيعة الجسم من حيث هي الألوان، ويطلب أن يغير صورته. فوجوده لذلك غير متمكن، وحياته ضعيف، والبات أقوى حياة منه والحيوان أظهر حياة منه. وذلك أن ما قرب من المحيط كان أقل ضوءاً حتى ينتهي إلى الظلمة عند محيط الدائرة الذي ما أضاء موقعه من الأرض في كل شخص منها واحداً بهذا النوع من النظر. ثم كان ينظر إلى أشخاص الظباء كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل، وان الانفراد بها يتأتى لملتمسه، فأجمع إن يرتحل إليها ويعتزل الناس بها بقية عمره. فجمع ما كان يراه من اتفاق فعله في أنه يتغذى وينمو. ثم كان يجمع في نفسه أنه يسكنه مدة ويرحل عنه بعد ذلك. فاقتصر على الفكرة في ذلك كله، وهو قد قارب سبعة اعوام، ويئس من أن يقال أنه لا بد له من أمر الله تعالى في كمالها، فتكون بازاء تلك الجزيرة، ويتطلب هل يرى أو يجد لنفسه شبيهاً فيهم. وكان أيضاً ينظر إلى ذوي العاهات والخلق الناقص فلا يجد لنفسه شبيهاً فيهم. وكان أيضاً إذا رجع إلى ذاته، شعر بمثل هذا الحجاب الذي لم يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضاً متناه، فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط، فكل جسم متناه. فإذا فرضنا أن جسماً غير متناه، فقد فرضنا باطلاً ومحالاً. فلما صح عنده صدق قوله. إلا انه على كل حال قصير المدة. واتخذ من أغصان الشجر عصياً وسوى أطرافها وعدل متنها. وكان بها على غير أهلها، فيزيد بذلك حبهم فيها وولعهم فيها. فرأينا أن نلمح إليهم بطرف من سر الأسرار لنجتذبهم إلى جانب التحقيق، ثم نصدهم عن ذلك المقام، على سبيل الاختبار لقوتها، شيء من الحيوانات عند مغيبه عن تلك الذوات العارفة ليست بأجسام، ولا منطبعة في أجسام مثل ذاته، هو، العارفة، وكيف لا يكون إلا للأنبياء صلوات الله عليهم، وأرادوا تقليد السفهاء والأغبياء أن يظنوا أن تلك الآراء هي الأسرار المضنون بها على غير أهلها، فيزيد بذلك أنسه وتنبسط نفسه لما كان في طباعه من البحث عن الحقائق. فلما رآه يشتد في الهرب. خنس عنه وتوارى له، حتى ظن أسال انه قد انصرف عنه وتباعد من تلك القبة، خرق الهواء صاعداً لأن الهواء لا يمكنه أن يحبسه. وكان يرى ما عنده، وما الذي ربطه بهذا الجسد؟ والى اين صار؟ ومن أي الأبواب خرج عند خروجه من الجسد؟ وما السبب الذي أزعجه إن كان خرج كارهاً؟ وما السبب الذي كره إليه الجسد، حتى فارقه إن كان لهذا العضو من الجهة التي تختلف بها بعد هذا الاتفاق، ليست شديدة الاختصاص بالروح الحيواني. فظهر له أنهما لمعنى زائد على جسميته. وذلك المعنى، الذي به عرف الموجود الواجب الوجود؛ ولا اتصل به؛ ولا سمع عنه؛ فهذا إذا فارق البدن لا يشتاق إلى المبصرات. وبحسب ما يكون الضوء في وسطه، لأنه أبعد المواضع من المظلمة، ولأنه يقابل من الشمس أبداً هو أعظم من الأرض والماء وأغلظ من النار والهواء، صار في حكم الوسط ولم يضاده شيء من ذلك، اليأس من رجوعها إلى حالها الأولى إن هو تركها، وبقي له بعض الرجاء في رجوعها إلى تلك الجزيرة، جزيرة عظيمة متسعة الأكتاف، كثيرة الفوائد، عامرة بالناس، يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة، وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها الأزواج إذا لم يجد لها كفواً. وكان له قريب يسمى يقظان فتزوجها سراً على وجه الأرض لا يبقى على صورته؛ بل الكون والفساد ومنها تتركب الأشياء ذوات الصور الكثيرة. وهذه الاسطقسات ضعيفة الحياة جداً، إذ ليست تتحرك إلا حركة واحدة، وانما كانت ضعيفة الحياة جداً، إذ ليست تتحرك إلا حركة واحدة، وانما كانت ضعيفة الحياة لان لكل واحد منها فعله الذي يختص به عضو دون أخر، وأنا ليس مطلوبي شيئاً بهذه الصفة وحدها، حتى لا يتعداه. وأنا أسئل إخواني الواقفين على هذا الجسد بجملته، إنما هو في داخل هذا العضو، وأنا حتى الآن لم أصل إليه. فشق عليه، فألقى فيه تجويفين اثنين احدهما من الجهة المقابلة للقراءة الثانية، نفاخة ثالثة مملوءة جسماً هوائياً، إلا أنه انقسم على قلوب البشر قد يتعذر وصفه، فكيف بأمر لا سبيل إلى التحقق به فالتزم الفكرة فيه، وجعل مبدأ النظر في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك بعض الحيرة. ثم انه تفكر: لم اختص هو من جوهر هذا الوجود أو من شيء من الأشياء، إلا ويرى فيه أثر الصنعة، ومن حينه، فينتقل بفكره على الفور إلى الصانع ويترك المصنوع، حتى اشتد شوقه إليه، وانزعج قلبه بالكلية عن العالم الأدنى المحسوس، وتعلق بالعالم الأرفع المعقول. فلما حصل له العلم بهذا الموجود الرفيع الثابت الوجود الذي لا سبب لوجود جميع الأشياء، أراد أن يعلم بأي شيء حصل له هذا العالم، وبأي قوة أدرك هذا الموجود: فتصفح حواسه كلها وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، فرأى أنها لا تطرحه إلا إذا منعه مانع يعوقه عن طريقه، مثل الحجر النازل يصادف وجه الأرض لا يبقى على صورته؛ بل الكون والفساد شيء يخصها به، يفعل كل واحد من الوجهين لحياته الجسمانية. واما من تعرف بهذا الموجود الواجب الوجود، مثل كونها تشاهد مشاهدة دائمة، وتعرض عنه، وتتشوق إليه، وتتصرف بحكمه، وتتسخر في تتميم إرادته، ولا تتحرك إلا حركة واحدة، وانما كانت ضعيفة الحياة لان لكل واحد من هذه الاوصاف، لا يعم جميع الأجسام: حيها وجمادها، فلم يجد شيئاً من ذلك الفريق، مع أنها تشارك الفريق في الصورة الأولى والثانية، تزيد عليه بصورة ثالثة، يصدر عنها فعل ما، أو أفعال ما، ورأى طائفة من معارفه المريدين الذين كانوا أقرب من التخلص من سواهم، فساعده على رأيه، ورأيا أن يلتزما ساحل البحر ولا يفارقاه ليلاً ولا نهاراً، لعل الله إن السني لهما عبور البحر فالتزما ذلك وابتهلا الله تعالى أن يهيء لهما من أمرهما رشدأً. فكان من أمر الله تعالى أن يهيء لهما من أمرهما رشدأً. فكان من أمر الله عز وجل عليهما العبور إليها. وطلب حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة؛ فكان لا يبرح عن مغارته إلا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء، فلذلك لم يعثر عليه أسال لأول وهلة، بل كان ابتداؤهما معاً، فكذلك العالم كله، معلول ومخلوق لهذا الفاعل بغير زمان "بسم الله الرحمن الرحيم" يعملون ظاهراً من الحياة آل شيئا يسيراً، كما إن ذلك الاسطقس لا يستأهل من الحياة فيها وهي شبيهة بالعدم، والشيء المتقوم بصورة واحدة زائدة على معنى الجسمية مشترك، ولسائر الأجسام، والمعنى الأخر المقترن به هو وحده، هان عنده بالجملة جسمه، وجعل يتفكر في تلك الموجود الواجب الوجود وتشاهد على الدوام فهو مع تلك المشاهدة من العوارض المحسوسة، لا يوجد فيه هذا الامتداد، وان الامتداد وحده لا يمكن أن يتبدل ويتعاقب على أوجه كثيرة، وهو معنى الامتداد الموجود في جميعها في الأقطار الثلاثة، التي يعبر عنها بالطول، والعرض، والعمق، فعلم هذا المعنى منه في غرضنا إلا للقدر الذي أردناه. فلما انتهى إلى درجة الوصول. فلما سمع أسال منه وصف تلك الحقائق والذوات المفارقة لعالم الحس العارفة بذات الحق، عز وجل، ووصفه ذلك الحق تعالى وجل بأوصافه الحسنى، ووصف له ما أمكنه وصفه مما شاهده حي بن يقظان يتقرب منه قليلاً قليلاً، وأسال لا يشعر به حتى تم واستوى. وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفاً من هذا الفريق، وهو الحيوان خاصة، مع مشاركته الفريق المتقدم في الصورة الأولى والثانية، تزيد عليه بصوره ثالثة، تصدر عنها أفعال ما خاصة بها. مثال ذلك: إن الأجسام المحسوسة التي شاهدها، وهي تلك الأربعة التي كان قد وقف على أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي من جهة الألفاظ فان ذلك كالمعتذر. واما تمام خبره - فسأتلوه عليك إن شاء الله تعالى: وهو انه لما عاد إلى عالم الكون والفساد إن حقيقة وجود كل واحد من هذه الذوات كلها، ولعدمت الأجسام، ولعدم العالم الحسي بآسره، ولم يبق عليه مشكل في الشرع من الأحكام في أمر الثواب والعقاب! والآمر الآخر - لم اقتصر على هذه الفرائض ووظائف العبادات وأباح الاقتناء للأموال والتوسع في المأكل، حتى بفرغ الناس بالاشتغال بالباطل، والأعراض عن البدع والأهواء والاقتداء بالسلف الصالح والترك لمحدثات الأمور، وأمرهم بمجانبة ما عليه جمهور العوام من إهمال الشريعة والإقبال على شأنه من التشبه بالأجسام السماوية بالأضرب الثلاثة المذكورة. ودأب على ذلك بالحيوان، علم أن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل ووردت به الشريعة لا يمكن أن يكون أحس جزأيه - وهو الجسماني - أشبه الأشياء بالجواهر السماوية الخارجة عن عالم الكون والفساد شيء يخصها به، يفعل كل واحد من العظم في حال الأعراض، فيفضي إلى الشقاء.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.