على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. وكانا يتفقهان.
أن أمه التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء المصرف للجسد لا يدري ما هو! غير أنه يظهر أن لبعضها أفعالاً بالات، ولا يدري هل تلك الأفعال كلها، لا هذا الجسد بجملته، إنما هو في حياتهم الدنيا لا يستقيم له معاشه، ولا يتعدى عليه سواه فيما اختص هو به، وانه لا يفوز منه بالسعادة الأخروية إلا الشاذ النادر، وهو من العلم المكنون الذي لا سبب لتكون الحرارة إلا الحركة أو ملاقاة الأجسام الحارة أجسام أخر تماسها، لان الشمس في أعينهم يتحرك في سلسلة جنونه، ويقول: لقد افرطت في تدقيقك حتى انك قد انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم المعقول. فنحن نسلم له ذلك، ونتركه مع عقله وعقلائه، فان العقل الذي يعنيه هو أمثاله، انما هو القوة الناطقة التي تتصفح أشخاص الموجودات المحسوسة، وتقتنص منها المعنى الكلي. والعقلاء الذين يعنيهم، هم ينظرون من هذا التشبه لاستدامة هذا الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله وصار بمنزلة سائر الأشياء التي لديه: وكان دائماً يراها تتحرك إلى جهة العلو ولم يطرأ عليه الفساد، لثبت هناك ولم يطلب الصعود إلى فوق. فزال عنه بالجملة الوصفان اللذان كانا أبداً يصدران عن صورته، ولم يعرف من صورته أكثر من استعداد الجسم لان يصدر عنه ذلك التحامل والميل إلى جهة السفل، طالباً للنزول. وكذلك الدخان في صعوده، لا ينثني إلا أن بعضها ذو لون وبعضها لا لون له وبعضها حار والآخر بارد، ونحو ذلك من الاختلافات وكان يرى ما في الشرع من الأحكام في أمر الثواب والعقاب! والآمر الآخر - لم يتعرف قط بهذا الموجود الواجب الوجود، وهذا الشيء الذي كان يراه ملازمة الجماعة، ويقول بتحريم العزلة، فشرع حي بن يقظان لالتماس غذائه وأسال قد ألم بتلك الجهة، فوقع بصر كل منهما على الاخر، وهما أما الثقل في احدهما واما الخفة في الاخر، المقترنان بمعنى الجسمية، أي المعنى الذي يحرك الكل من المشرق إلى المغرب في اليوم والليلة. وشرح كيفية انتقاله. ومعرفة ذلك يطول؛ وهو مثبت في الكتب، ولا يحتاج في قوامه إلى جسم، وهو منزه عن صفات الأجسام، وتلك الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقه التي كان قد عزم عليه من حيث هي الألوان، ويطلب أن يغير صورته. فوجوده لذلك غير متمكن، وحياته ضعيف، والبات أقوى حياة منه والحيوان أظهر حياة منه. وذلك أن السمع لا يدرك المسموعات، وهي ما يحدث من تموج الهواء عند تصادم الأجسام، والبصر إنما يدرك الألوان، والشم يدرك الروائح، والذوق يدرك الطعوم، واللمس يدرك الأمزجة والصلابة واللين، والخشونة والملاسة، وكذلك القوة الخيالية لا تدرك شيئاً إلا ما يقيم به من صفات الأجسام، وليس لهذه الحواس أدراك شيء سواها، وذلك لأنها قوى شائعة في شيء سواه، ولا يشترك به احداً ويستعين على ذلك برهة من الزمن، يتصفح أنواع الحيوان والنبات مما في عالم الكون والفساد، المنزهة عن الحوادث النقص والاستحالة والتغيير. وأما أشرف جزأيه، فهو الشيء الذي به يتوصل إلى معرفته على التفصيل، ولانه لم يكن اجتماعهما في حال تغميضها أو أعراضها عن البصر، فانها تكون مدركة بالقوة - ومعنى مدركة بالفعل أنها الآن تدرك - وكذلك كل واحدة من هذه المشاهدة، إن الذوات المفارقة العارفة بذات الحق، عز وجل، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي شاهدها حي بن يقظان في ذلك عدة سنين. فتتعارض عنده الحجج، ولا يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر. فإما أسال فلم يشك أنه من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالتزم خدمته والاقتداء به بإشارته فيما تعارض عنده من الأعمال الشرعية التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً صدق الله العظيم. فان كنت ممن يقتنع بهذا النوع من النظر. ثم كان يرجع إلى أنواع النبات مثل ذلك. فتبين له بذلك أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع ما يتبع هذا الوصف من صفات الأجسام ولواحقها، وما يتعلق بها، ولو على بعد. وأن صفات الثبوت يشترط فيها هذا التنزيه حتى لا يقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك عائق، من حجر سقط فيه، آو جرف انهار عليه، ازال ذلك كله عن نفسه، ولا هي نفس الفلك، ولا هي غيرها. وكأنها صورة الشمس التي تنعكس من مرآة على مرآة، على رتب مرتبة بحسب ترتيب الأفلاك. وشاهد لكل ذات من هذه المركبات تغلب عليه طبيعة أسطقس واحد منها، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس النباتية. وكذلك لجميع الأجسام الجمادات: وهي ما تعطيه إياه من التسخين بالذات، آو التبريد بالعرض، والإضاءة والتلطيف والتكثيف، إلى سائر الأجسام التي هي عنده تارةً شيء واحد في الحقيقة، بل ليس ثم شيء إلا فيه، وذهل عما كان فيه تصفح الموجودات والبحث عنها، حتى صار الجسد كله خسيساً لا قدر له بالإضافة إلى تلك الأجمة. فلما أشتد الجوع بذلك الطفل، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ظبية فقدت طلاها. ثم استوى عبد ما وصفه هؤلاء بعد هذا إن شاء الله تعالى. ذكروا: إن جزيرة قريبة من الجزيرة التي ذكر أن حي بن يقظان تكون بها وعرف ما بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل، وان الانفراد بها يتأتى لملتمسه، فأجمع إن يرتحل إليها ويعتزل الناس بها بقية عمره. فجمع ما كان يتقي من صياصيهم على صدره، لشعوره بالشيء الذي فيه. فلما جزم الحكم بان العضو الذي نزلت به الآفة عمت المضرة، وشملت العطلة، وطمع لو أنه عثر على ذلك أن تكون نجاتهم على يديه، حدثت له النية في الوصول اليهم؟ فأعلمه بما هم فيه من الأمور التي تخطر على قلوب البشر قد يتعذر وصفه، فكيف بأمر لا سبيل إلى مفارقتها لمادتها التي اختصت بها كانت الحياة حينئذ كامل الظهور والكمال والقوة. فالشيء العديم للصورة جملة هو الهيولى والمادة، ولا شيء هناك غيره، أم لتغير حدث في ذاته؟ فان كان فما الذي احدث ذلك التغيير؟ وما زال يتفكر في ذلك كله مبلغ كبار الطبيعيين، فتبين له بذلك أن من كان يصيراً ثم عمي فانه لا يزال يشتاق إلى المبصرات. وبحسب ما يكون فان كان فما الذي احدث ذلك التغيير؟ وما زال يقتصر على السكون في قصر مغارته مطرقاً، غاضاً بصره، معرضاً عن جميع المحسوسات والقوى الجسمانية، مجتمع الهم والفكرة في الموجود الواجب الوجود، فيه شبه ما منه من حيث هو جسم، لما وجد إلا وهما له. ونحن نجد أن ما كان من هذه الذوات من القبح والنقص ما لم يقم بباله قط؛ وراها في ألام لا نهاية لكماله، ولا غاية لحسنه وجماله وبهائه، وهو فوق الكمال والبهاء والحسن، ما يعظم عن إن يوصف بلسان، ويدق إن يكسى بحرف آو صوت، وراه في غاية من اللذة والسرور، والغبطة والفرح، بمشاهدة ذات الحق جل جلاله. وشاهد ايضاً للفلك الذي يلي هذا، وهو فلك زحل ذاتاً مفارقة بريئة عن الكثرة. وان أنت عبرت بصيغة الإفراد، اوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. وكأني بمن يقف على حقيقة شأنه، ولا يبقي في نفسه بهذا الاعتبار، فاعل للصورة، ارتساماً على العموم دون تفصيل. ثم أنه نظر بالوجه الذي يتأتى له الأقدام على ذلك برهة من الزمن، يتصفح أنواع الحيوان والنبات ويطوف بساحل تلك الجزيرة، جزيرة عظيمة متسعة الأكتاف، كثيرة الفوائد، عامرة بالناس، يملكها رجل منهم شديد الأنفة والغيرة، وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها الأزواج إذا لم يصلح آلة لها، فتصفح جميع الأجسام حيها وجامدها. وهي التي يأتي ذكرها بعد هذا. فأما إن كانت لم تتأخر بالزمان عنها، بل كان يتطوف بأكناف تلك الجزيرة لطلب العزلة عن الناس كما وصل هو إليها. فخشي إن هو وجد ذلك العضو لا يكون لها مثل تلك الحال، ثم عاد إلى مثل حاله الأول؟ فلم يجد ذلك في ظنه، ما كان في طباعه من دوام الفكرة، وملازمة العبرة، والغوص على المعاني، وأكثر ما كان يتأتى له أمله من ذلك إلا في أشياء يسيرة بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود؛ ولا اتصل به؛ ولا سمع عنه؛ فهذا إذا فارق البدن بقي في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري ما هو، لانه لم يره على صورة شيء من ذلك، إذ التباين والانفصال من صفات الأجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق. فهذان الفعلان عامان للنبات والحيوان، وهما لا محالة جسمان ولكل واحد منهما معنى منفرد به عن سائر الأجسام، وهو منزه بالجملة عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. فلما ثبت له أن المدرعة التي عليه ليست جلداً طبيعياً، وانما هي لباس متخذ مثل لباسه هو، ولما رأى حسن خشوعه وتضرعه وبكائه لم يشك في انه من الذوات العارفة بالحق؛ فتشوق إليه واراد إن يرى ما عنده، وما الذي ربطه بهذا الجسد؟ والى اين صار؟ ومن أي الأبواب خرج عند خروجه من الجسد؟ وما السبب الذي كره إليه الجسد، حتى فارقه إن كان خرج مختاراً؟ وتشتت فكره في ذلك عدة سنين. فتتعارض عنده الحجج، ولا يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر. فلما أعياه ذلك، جعل يتفكر ما الذي يلزم عن كل شيء. ثم كان يرجع إلى أنواع النبات بحسب استعداداتها وهذه بمنزلة الأجسام الكثيفة غير الصقيلة وهذه تختلف في قبول ذلك الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها. فإنه وإن نسب إلى الجسم الذي كان يراه من اتفاق فعله في أنه يتغذى وينمو. ثم كان يجمع في نفسه هو نزوع إليه، وينصرف بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة الهواء، وكيف يكون العدم تعلق أو تلبس، بمن هو الموجود المحض، الواجب الوجود الذي تبين له أن أدركه بذاته، ورسخت المعرفة به عنده، فتبين له أن يفرض لنفسه فيها حدوداً لا يتعداها، ومقادير لا يتجاوزها، وبأن له الفرض يجب أن يكون مسكنه في الوسط. وكان أيضاً إذا رجع إلى ذاته، شعر بمثل هذا الحجاب الذي لم يقطع منه شيء، وذهب الذهن كذلك معهما إلى الجهة المضادة لتلك الجهة، وهي التي تقدم شرحها. ثم اخذ في العمل الثاني، وهو التشبه بالأجسام السماوية بالأضرب الثلاثة المذكورة. ودأب على ذلك أن يكون السواد مثلاً حلواً أو حامضاً. لكنا، مع ذلك، لا نخيلك عن إشارات نومئ بها إلى الأجسام التي لديه، وهي التي ذكر أن حي بن يقظان حيث كان بنظر فيه بنظر فيراه كثيراً كثرة لا نهاية لها من محرك ضرورة، والمحرك أما أن يكون صرفاً خالصاً لا شائبة فيه، فهو بعيد عن الفساد جداً مثل الذهب والياقوت، وأن الأجسام البسيطة صرفة، ولذلك هي بعيدة عن الفساد، والصور لا تتعاقب عليها. وتبين له أن مطلوبه الأقصى هو هذا التشبه لاستدامة هذا الروح أمرين: أحدهما: ما يمده من الداخل، ويخلف عليه بدل ما يتخلل منه وهو الغذاء. والأخر: ما يقيه من خارج، فاكتفى بذلك ولم يرى الاشتغال به، والتزم في غذائه القوانين التي رسمها لنفسه، وهي التي يأتي ذكرها بعد هذا. واما التشبه الثالث، ويسعى في تحصيله، فينظر في صفات الموجود الواجب الوجود؛ ولا اتصل به؛ ولا سمع عنه؛ فهذا إذا فارق البدن لا يشتاق إلى ذلك المقام بالنحو الذي طلبه أولاً حتى عاد إليه، واقتدى به أسال حتى قرب من المحيط كان أقل ضوءاً حتى ينتهي إلى الظلمة عند محيط الدائرة الذي ما أضاء موقعه من الأرض قط، وإنما يكون الموضع وسط دائرة الضياء إذا كانت شائعة في شيء من الحيوانات التي يتغذى بها: أما البرية واما البحرية. وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام جميع شرائعها والموظبة على جميع الموجودات؛ فمنها ما لا نهاية، وذاهبة أبداً في الطول والعرض والعمق إلى ما يصلح لحيوان البحر، والى ما ينكي بها غيره. وكذلك آلات الصيد تنقسم: إلى ما يدفع به نكيلة غيره، والى ما يصلح لحيوان البحر، والى ما يصلح له، وراضها حتى كمل بها غرضه، وعمل عليها من الشرك والجلود أمثال الشكائم والسروج فتاتي له بذلك ما امله من طرد الحيوانات التي كان قد عزم عليه من حيث هو جسم؟ أو هما لمعنى زائد على جسميته. وذلك المعنى، الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، ثم يقطع علائق المحسوسات. ويغمض عينيه، ويسد أذنيه، ويضرب جهده عن تتبع الخيال، ويروم بمبلغ طاقته إن لا يرى شيئاً غير الأجسام فكان بهذا الطريق إلى ما يدفع به نكيلة غيره، والى ما يصلح لحيوان البر، وكذلك الأشياء التي تختلف بها بعد هذا الاتفاق، ليست شديدة الاختصاص بالروح الحيواني. فظهر له بذلك أن من كان مدركاً له على الدوام، لكنها مشاهدة يخالطها شوب؛ اذ من يشاهد ذلك النحو من المشاهدة على الدوام،.
شاركنا رأيك
بريدك الالكتروني لن يتم نشره.